عبد الكريم الوشلي*
حكاية متسلسلة الفصول عبر الأزمنة والتواريخ والحقب منذ بواكير هذا الوجود البشري وحروبه وصراعاته التي لا تتوقف الواحدة منها إلا لتتلوها أخرى أشد وأنكى وأدمى.. وإلى اليوم وحتى ما شاء الله..
إنها قصة تليدة جديدة ومتجددة باستمرار.. قصة جُند الشيطان وسلالتِه الجهنمية الإجرامية الذين لهم في كل زمان وحقبة من تاريخ البشرية حضورُهم المشئوم المَقيت وبصمتُهم الكئيبة المظلمة والممهورة بدماء الضحايا من المظلومين والمقهورين والمستضعفين.. ولهم ذراريهم المدججون بنوازع الشر والعدوان والاستعباد لخلق الله.. وهكذا يمتد وتيرُ بلائهم عبر الآزال والآباد من النمرود المأفون والفرعون المتأله إلى نيرون المعتوه إلى معاوية المارق و”يزيده” المخمور إلى طغاة الغرب السلاب النهاب المستأثر المستكبر المتيهود المتصهين.. وصولا إلى أمريكا الإبستينية الممسوسة بالصهينة والأطماع المنفلتة وترامبها اللص العالمي المتنمر والقاتل الأشِر وأتباعها من سماسرة البترودولار و”التطبيع” والقتلة بـ”المنشار” وأشباههم..
سفاحون أفاقون متمرسون وطغاة كذابون مَرَدة.. خياطون مهرة في صناعة الذرائع والحجج والمبررات لجرائمهم وموبقاتهم وطغيانهم..لا يكفون عن التناسل الشيطاني من أجدادهم الأًقْصَين إخوةِ النبي يوسف (ع) إلى جدهم الوسيط المأسلب بالغدر والمكر معاوية وحتى حفيدهم الأدنى “المهفوف” إبن سلمان.. ويجيدون باحتراف إلى جانب القتل والهتك والقَمع والإستلاب والانتهاب والانتهاز صناعة “قمصان” الدجل والتضليل والإفك والبهتان متعددة الأشكال والأغراض والوظائف!
قمصانُ أغطية على جرائم كقميص يوسف.. وقمصانُ تعمية عن أطماع التسلط المستأثر الباغي كقميص عثمان.. وقمصانٌ لها مآرب شيطانية أخرى من بينها تبرير الإجرام والعدوان..!
وهذه الأخيرة يتحدث عنها مثالها الطري والأجد وهو مثال مزدوج أو قميصٌ برأسين : مكة والمدينة المنورة !
وأراد به مصممُه وصانعُه الأفاك السعودي الفاشل تحقيقَ عدد من الأهداف والغايات الخبيثة من بينها وأهمها تشويه موقف يمن الإيمان والحكمة المشروع والمُحق في مواجهة العدوان والحصار السعودي السافر والجائر وعديمِ المشروعية وتحريضُ وتجييش الشعوب المسلمة على أبناء اليمن في موقفهم وصمودهم الفاعل والموجع بضرباته القاصمة للعدو القاتل البهَّات الكذاب الذي ارتد كيده في نحره وعاد إليه قميصه البائس البائر مضاعِفاً غُصة خيبته وتداعي أركان عدوانه وحصاره المتسارع، والتي يحاول عبثا، وعبر التحالفات الخُلَّبية الإنتهازية العدمية وأشباهها، تلافي مآلها المحتم الوشيك وهي السقوط التام بحول الله تعالى ولا عاصم اليوم لهذا المجرم الإبستيني العربيد من أمر الله..
إنها قمصان المكر والخداع واستغفالِ العقول واستدراجِها إلى أفخاخ القناعات الخاطئة والحقائق المزورة والوقائع المقلوبة والثقافات المغلوطة..
وليس النظام السعودي العميل المجرم نسيجَ وحده ولا فريدَ شاكلته بين أنظمة العدوان والبغي وطُغم الإجرام المتفرعنة المستكبرة في حياكة لبوس التضليل والخداع والاحتيال وقمصان الافتراء والبهتان الساترة لقبحه وبشاعته والمُلطِّية لنواياه وأفعاله الإجرامية وهذا حاله على الدوام وحاله خصوصا مع الشعب اليمني المبتلَى بعدوانه الغشوم وحصاره الظلوم وبهتانه الساقط المفلس المعنون بفرية الاستهداف للمقدسات في مكة المكرمة والمدينة المنورة..
فعبر التاريخ، كما هو واضح لكل باحث ومفتش بين سطوره وزواياه، صُنعت مئاتُ وربما آلافُ القمصان لتلبيس جرائم الطغاة والطغيان وتجميل قبح أطماعهم ومشاريعهم ومخططاتهم الظلامية المدمرة.. ولو طالعنا فقط حقب ما يسمى التاريخَ الحديث وتاليه المعاصر سنرى كيف أن الاستعمار الغربي الأوروبي وفي ذروة نشاطه وتفشِّيه عبر القرنين ال١٩ وال٢٠ الفائتين عربد وعاث ولاث بالغزو والاحتلال والسلب والنهب والمذابح والإبادات وتجريف الكيانات والهويات في عشرات البلدان الضحايا على مستوى العالم وفي منطقتنا العربية والإسلامية كان مركز ذلك الطغيان والعبث الدموي التدميري، مستعينا في كل حالة بقميص تبريري تضليلي حاكته عقلية أولئك الشياطين الغزاة اللصوص القتلة.. فالاستعمار الفرنسي للجزائر الذي دام ١٣٠ عاما من القتل والإبادات والفظاعات التي التهمت ملايين من الجزائريين شهداء.. كل ذلك كان بذريعة مختلَقة هي إهانة “الداي” أو الحاكم المحلي الجزائري آنذاك للسفير الفرنسي لديه وهي حجة تمزَّق قميصها الذرائعي وثبت بطلانها منذ لحظة ولادتها الكاذبة، ومثلها مبرر الذئب الاحتلالي البريطاني الماكر في احتلاله لمدينة عدن في العام ١٨٣٩م وبقية المناطق التي احتلها من جنوب يمننا العزيز على مدى١٢٨ عاما، وهو مبرر مكذوب مفضوح ومشوَّه منذ لحظته الجنينية تمثَّل في كذبة الهجوم على سفينة مملوكة لشركة الهند الشرقية التابعة للإمبراطورية الاستعمارية البريطانية..
وكثيرة، عدا هذين المثالين فحسب، أمثلةُ التمرس الاستعماري الإجرامي في إبداع المبررات الكاذبة وقمصان التضليل والخداع الموارية لأطماعهم ومآربهم وعدواناتهم التوسعية الاحتلالية الإستلابية الظلامية الخبيثة بعناوين التمدين والتحضير وسواها من العناوين المفتراة المكذوبة وقمصان “عثمان” البالية الممجوجة!
وغيرَ بعيدة في طورنا التاريخي المعاصر قمصان وحجج أمريكا و”بوشِها” الصغير المجرم المكذوبة المأفوكة وسيئةِ الحَوْك في احتلال وتدمير العراق وأفغانستان كأكذوبة السلاح الكيماوي وقميص البرجين في نيويورك.. وقبل ذلك قصة الغرب الصهيوني وعلى رأسه بريطانيا في حياكة قميص ضحايا “الهولكست” لتبرير جريمتهم الكبرى في السطو على فلسطين وذبح وتهجير شعبها وإعطائها لقطعان اليهود المحتلين.. ولا ننسى في السياق الشيطان الأكبر الأمريكي وقميص البارجة “يو إس إس كول” في العام ٢٠٠١م الذي أُريد له أن يكون بوابة خداعية تبريرية لاحتلال اليمن.. وقبله في هذه المتوالية الإجرامية المحترفة للإفك والتضليل يُذكر كيان الإجرام الصهيوني المحتل في فلسطين الذي خاط كذبة أو قميص محاولة اغتيال سفيره المزعومة بلندن عام ١٩٨٢م ليبرر جريمة غزوه للبنان في العام ذاته.. وأخيرا وليس آخرا العدوان الكوني الثلاثيني على اليمن برباعي رأس حربته الشيطانية القاتلة الأمريكي السعودي الإماراتي الصهيوني وقمصانه الذرائعية المتعددة: الشرعية، الحضن العربي، وسواها.. وصولا إلى قميص الكعبة ومكة والمدينة.. والله العالم ماهي قمصانهم لغد؟!
والملاحظ بكل جلاء أننا أمام حياكات تضليلية بائسة مُسِفَّة صدئة وقمصانٍ سريعة البِلى والتمزق والاهتراء كهذه التي يلقمها العدو السعودي وبقيةُ الضالعين معه في العدوان الخبيث المأزوم والمستمر على اليمن آلتَهم الدعائية التضليلية المتهاوية أمام الحقائق الناصعة.. وخصوصا قصة الاستهداف المزعوم المُفترَى على الكعبة والمقدسات !
وهنا تنهض التساؤلات المفعمة بالمزيد من الضوء الكاشف والمحطم لبهتان المعتدين الكذابين العظيم: فمَن قصف الحرم والكعبة وسفك الدماء في قلب الحرم المكي الشريف بمشاركة فعلية من وحدات نخبوية من الجيش الفرنسي العام ١٩٧٩م، ومن سفك دماء أكثر من ١٥٠٠ حاج إيراني في المكان المقدس ذاته العام ١٩٨٦م، ومَن الذي أقدم جدُّه الفكري (يزيد) وفي سابقة لا تخطئها عين التاريخ المدون الثابت على قصف الكعبة المشرفة بالمنجنيق؟!
مَن دمر آثار الإسلام في مكة والبقيع، وفي الوقت نفسه يحافظ على آثار خيبر والدرعية وسروال المؤسس؟!
بل من يقصفها اليوم بما هو أسوأ من النار والصواريخ.. بالراقصات العاريات والإباحيين والإباحيات وحفلات الترفيه وعروض الأزياء والتعري؟!!
إنه النظام المارق الكهنوتي الوهابي الدموي المتصهين الفاجر.. نظام بني سعود، وإن شئت سَمِّهم مُحقاً بني سُمُوم!
في عالم الطغيان والإجرام إذاً وفي الخلاصة والإجمال.. نجد أن صناعة قمصان الدجل والخداع والافتراء والبهتان صناعة مزدهرة عبر التاريخ ولا تعرف الركود والبوار.. ويبقى السؤال في كل الأحوال ليس حول مَن يصمم ويفصل ويروج قمصان السوء هذه.. بل حول مَن يلبسها ويقع في أحابيلها وأفخاخها الخطيرة.. حول ضحايا التضليل والإستغفال والتزوير والتزييف والخداع الذين تُخلع عليهم قمصان هذه الآفات القاتلة للحقائق والمبيدة لمعالم الحق والجاعلة من الجلاد ضحية والقاتل مقتولا والمُدان بريئا .
*نقلا عن الثورة
