اليمن الحر الأخباري

دماء البراءة تفجّر معادلة الرد بالمثل!

محمد عبدالله الخربي*
يُحكى في الأثر العربي أن جحا باع حماراً لرجل، واشترط عليه أن يطعمه التبر واللوز لكي يطير. بعد عام، مات الحمار من الجوع، فجاء المشتري يشتكي، فقال جحا ساخراً: “واأسفاه، مات الحمار قبل أن يتعلم الطيران بيوم واحد!”.
هذه المفارقة تجسد تماماً حال النظام السعودي اليوم؛ فقد ظل لسنوات يغذي طاووس “رؤية 2030” بوعود الطيران الاقتصادي والتحول لمركز مالي، متناساً أن هذا الطاووس يقف على أرض يمنية ملتهبة. والمفارقة الساخرة هنا، هي أن ذات النظام الذي حاول استخدام الحصار وجرائم الإبادة لتجويع صنعاء، بنى اقتصاداً زجاجياً فائق الحساسية، حوّل كل مشروع استثماري فيه إلى “رهينة استراتيجية” تحت رحمة القدرات الردعية اليمنية.
نفاد الصبر والاستجابة للضغوط الشعبية.. 12 عاماً من المعاناة تحسم الموقف
لم يكن قرار التوجه نحو الردع الشامل مجرد خيار عسكري لغرف العمليات، بل هو استجابة حتمية للمطالب الشعبية المتصاعدة والضغوط العارمة التي واجهتها القيادة الثورية والعسكرية من كافة أطياف الشعب اليمني. فبعد صبر استراتيجي يمني دام 12 عاماً تجرع فيها الشعب مرارة الحصار والعدوان، وأمام المشاهد الدامية للأطفال والأبرياء الذين استهدفتهم غارات قرن الشيطان ، انفجر الغضب الشعبي مطالباً بإنهاء مرحلة الصبر فورا وتطبيق معادلة المعاملة بالمثل. لم يعد هناك متسع للصمت، ودماء الأبرياء أسدلت الستار على زمن المماطلة.
إذا قالت صنعاء فعلت.. أرامكو الظهران في قلب العاصفة
أثبتت التجربة الميدانية المتلاحقة أن القوات المسلحة اليمنية وضعت حداً فاصلاً للوعود الجوفاء؛ فإذا قال الجيش اليمني فعل، وإذا حذر صدق. (بعد 60 دقيقة من تحذير يوم الثلاثاء 10/13) ، تترجم الأفعال أثرها في الميدان؛ حيث أفادت الأنباء العاجلة وسماع دوي انفجارات قوية وتصاعد لأعمدة الدخان من داخل ومحيط المقر الرئيسي والسيادي لشركة أرامكو السعودية في مدينة الظهران شرقي المملكة. هذا الاستهداف المباشر لأكبر مركز ثقل نفطي وإداري للنظام السعودي في الظهران، بالتزامن مع انطلاق صافرات الإنذار وتفعيل رسائل التهديد الجوي في المنطقة الشرقية، يبعث برسالة مرعبة تفيد بأن معادلة التردد قد انتهت، وأن يد صنعاء الطولى قادرة على هز عصب الاقتصاد والسيادة السعودي في أي لحظة.
مشروعية الرد بالمثل.. القانون الدولي والشرعي في خندق الدفاع اليمني
من المنظور القانوني والسياسي، ووفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فإن استهداف الحصار الاقتصادي والقصف الجوي للمدنيين يمنح اليمن الحق الكامل والأصيل في “الدفاع الشرعي عن النفس”.
ومن المنظور الشرعي والأخلاقي، فإن قرار الرد هو إنفاذ للعدالة الإلهية؛ حيث يقول الله تعالى في محكم كتابه: {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَافْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). لقد فرضت صنعاء اليوم معادلة صارمة: “المنشآت الحيوية بالمنشآت الحيوية، والمطارات بالمطارات، والبادئ أظلم”، لتجرد الرياض من سردية “الضحية” أمام المجتمع الدولي.
“رؤية 2030” تحت المقصلة.. الأرقام لا تكذب
تعتمد الرؤية الاقتصادية للمملكة على جذب استثمارات أجنبية وتأمين مناخ سياحي عالمي. ولكن، كيف لمستثمر أجنبي أن يضخ أمواله في بيئة تُغلق فيها الأجواء السيادية ومطارات العاصمة الدولية (مثل مطار الملك خالد بالرياض) جراء ضربات المسيرات المستمرة والقاتلة؟ إن لغة الأرقام تؤكد تراجع التدفقات الاستثمارية الفعلية، حيث إن مسيّرة يمنية واحدة كلفة تصنيعها لا تتجاوز 15 ألف دولار كفيلة بتجميد مشاريع استثمارية بمليارات الدولارات وقطع سلاسل الإمداد.
شلل الشرايين اللوجستية والموانئ البديلة
إن المقدرات الحالية لصنعاء لم تعد محصورة في الأهداف النفطية التقليدية؛ بل إن موانئ الشحن اللوجستي البديلة كميناء الملك عبد الله في رابغ وميناء جازان الاقتصادي أصبحت ضمن دائرة التهديد المباشر. ضرب هذه الشرايين يعني شل حركة الاستيراد والتوزيع الداخلي، ورفع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات قياسية، مما يؤدي إلى أزمة تموين داخلية تعصف بالاستقرار الاقتصادي اليومي للمملكة.
بنك الأهداف الخفي والأماكن الخطيرة المرشحة للاستهداف الشامل
بينما يكدس المخطط العسكري السعودي منظومات الباتريوت والثاد (بكلفة 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد) حول المنشآت المكشوفة، تكمن المفاجأة الكبرى لصنعاء في اختراق المربعات الميتة رادارياً واستهداف مفاصل استراتيجية دقيقة لا تخطر على بال غرف العمليات في الرياض وتصيب عصب الدولة المباشر:
1. عُقد الإمداد الغازي في “العثمانية” و”شَدْقَم”: معامل معالجة الغاز الحيوية في العثمانية ومعمل شدقم بالمنطقة الشرقية. هذه المعامل تمثل القلب المغذي لمحطات توليد الكهرباء وشبكات الطاقة والصناعات البتروكيماوية، وضربها يعني ظلاماً فورياً يطال المدن الكبرى وشللاً لخطوط الإنتاج بالكامل.
2. خاصرة الأمن المائي (منظومة “رأس الخير” ومجمع “الشعيبة”): محطات التحلية العملاقة التي تعتمد عليها المملكة بنسبة 70%. وتأتي منظومة “رأس الخير” (المغذي الرئيسي والمباشر لمياه الشرب لعاصمة القرار الرياض بطاقة مليون متر مكعب يومياً) كهدف قاتل، حيث يعني توقفها جفافاً فورياً في صنابير منازل وقصور الرياض خلال 6 ساعات فقط
، 3. معامل “تناجيب” ومجمع “شمال الغوار”: المنشآت التشغيلية الفرعية مثل معمل تناجيب البترولي ومجمع إنتاج النفط المطور في شمال الغوار. هذه المواقع تقع خارج نطاق الحماية المكثفة، وإخراجها عن الخدمة يعطل خط أنابيب (شرق – غرب) الاستراتيجي.
4. معادلة ينبع والظهران الممتدة: تشتيت الدفاعات الجوية عبر عمليات متزامنة ومتباعدة تمتد من مصافي أرامكو في ينبع على ساحل البحر الأحمر إلى مصفاة ومركز تحكم الظهران في الشرق، مما يترك محيط العاصمة الرياض مكشوفاً بالكامل.
رسالة إلى الداخل السعودي.. مغامرات القيادة ترهن أمن المواطن والمستثمر
على المواطن السعودي والمستثمر الأجنبي أن يوجها المساءلة الفورية للقيادة السياسية في الرياض: هل تستحق مغامرة قصف المنشآت الحيوية في صنعاء أن يُحرم سكان المدن الكبرى في المملكة من عصب الحياة اليومية؟ إن استهداف شبكات الطاقة والمياه الحيوية، يضع الاستقرار المدني السعودي على المحك. الرهان على الوعود الأمريكية بحماية هذه المنشآت أثبت فشله؛ فمَن عجز عن حماية بارجاته في البحر الأحمر، لن يستطيع تأمين زجاج ناطحات السحاب في الرياض وجدة.
نصيحة استراتيجية وبلاغ إنساني لحقن الدماء وحماية المدنيين
تقتضي الأمانة التحليلية والحرص الأخلاقي المسؤول، توجيه نداء استراتيجي ونصيحة أخوية صادقة إلى أهلنا وإخواننا من المواطنين والمقيمين في الجزيرة العربية، وإلى كل عابر أو مستثمر هناك:
• إلى المواطنين والمقيمين في الجزيرة العربية: ناصحاً لكم، ابتعدوا فوراً عن محيط القصور الملكية، المقرات السيادية، والمنشآت العسكرية، فالقادم يحمل عواصف عسكرية غير مسبوقة، وصنعاء حريصة كل الحرص على دمائكم التي يستهتر بها نظامكم.
• إلى شركات الطيران والمسافرين: الأجواء فوق المطارات السيادية (الرياض، جدة، الدمام) والممرات الجوية للمملكة أصبحت مناطق عمليات غير آمنة عسكرياً. ننصح الشركات بتتعليق رحلاتها والمسافرين بإلغاء حجوزاتهم تفادياً للمفاجآت.
• إلى الموظفين والخبراء في شركات النفط (أرامكو) والتحلية: إن البقاء في منشآت معالجة الغاز كـ شدقم والعثمانية، أو محطات التحلية كـ رأس الخير والشعيبة ومقر أرامكو الرئيسي بالظهران هو مخاطرة كبرى. بنك الأهداف اليمني وضع هذه الشرايين الاقتصادية كأهداف مشروعة، والابتعاد عنها بات ضرورة لحماية أرواحكم.
الخاتمة :
إن الدرس التاريخي الذي تناسته الرياض هو أن الشعوب الحرة لا تموت جوعاً دون أن تزلزل الأرض تحت أقدام محاصريها. الاستشراف القادم ليس نبوءة، بل هو قراءة عسكرية موضوعية؛ الأيام القادمة قد تشهد سيناريو “الظلام الشامل والهجين”، حيث لن يقتصر الرد على المنشآت النفطية، بل سيطال عصب التحكم الرقمي والطاقة والمطارات والمؤسسات السيادية والقصور.
وليعلم البادئ بالعدوان أن المظلومين منصورون بوعد لا يتخلف، تبياناً لقوله الحق سبحانه وتعالى في شأن من عوقب فانتصر: {ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}. بناءً على المعطيات الميدانية والعملياتية القائمة، فإن خيار وقف العدوان ورفع الحصار بالكامل عن اليمن لم يعد مجرد قرار سياسي للرياض، بل هو طوق النجاة الوحيد لمنع انهيار المنظومة الاقتصادية للمملكة بالكامل.

Exit mobile version