.حسن الوريث
إذا كانت منظمة الصحة العالمية واليونيسف قد أطلقتا في عام 1974م البرنامج الموسع للتطعيم للسيطرة على أمراض الطفولة الستة القاتلة التي هددت أطفال العالم لعقود فإن الشعوب تمر أحياناً بأزمات هيكلية وأمراض إدارية ومالية أشد فتكاً لا تهدد الجسد البشري فقط لكنها تغتال روح الدولة وتقضي على مقومات العيش الكريم للمواطن.
ونحن هنا في اليمن نعاني من منظومة متكاملة من الأمراض المؤسسية التي تفتك بالدولة والمواطن في مقتل وإذا كانت الأمراض البيولوجية التقليدية محدودة العدد فإن الأوبئة التي تستنزف بها طاقات الشعب اليمني تتجاوز العشرات ولأن الداء عضال والعلاج يحتاج إلى جراحة دقيقة سنبدأ بتشخيص هذه الأزمات تباعاً مستهلين الرحلة بالحديث عن “الثلاثي القاتل الأول” الذي يضرب عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مقتل البلدية والضرائب والزكاة.
القاتل الأول: فوضى البلديات وغياب القانون حيث تحولت مكاتب وأجهزة البلديات من ممثلة للقانون أو حارسة للنظام والنظافة والجمال إلى ما يشبه شبكات الجباية الميدانية لقد نشرت هذه الجهات أذرعها ومحصلين تحت مسميات مختلفة لتعيث ضغطاً ومضايقة في كل مكان فنراهم يلاحقون أصحاب المحلات التجارية والبسطات البسيطة وحتى العمارات والبيوت قيد الإنشاء والكارثة الكبرى أن ما يقومون به لا علاقة له بتنظيم الأسواق أو حماية المواطن انما هوس البحث عن الأموال والمعيار الوحيد هنا هو الدفع ادفع تفعل ما تريد ولو خالفت كل القوانين والنظم واللوائح وما حالة الفوضى العارمة والعشوائية التي تملأ الشوارع إلا الدليل القاطع على أن القانون قد تم تحويله لصالح الجباية وأن الفساد هو المنظم الوحيد للمشهد.
القاتل الثاني: غول “الضرائب” وجشع الملاحقة حيث يأتي قطاع الضرائب في درجة أعلى من الضراوة والتعسف مقارنة بالبلديات فهؤلاء لم يتركوا تاجراً ولا صاحب حرفة ولا مشروعاً إلا وضايقوه متبعين أساليب التقدير الجزافي والتعسف الضريبي وتجاوز نصوص القانون وروح العدالة لقد غاب الدور التنموي للضرائب الذي يفترض أن يدعم الخدمات والبنى التحتية ليتحول إلى آلية مجحفة لابتزاز القطاع الخاص وخنق الأنشطة الاقتصادية وهي في مهدها.
أمّا الطامة الكبرى والضلع الأثقل في هذا الثلاثي فهو تحويل فريضة الزكاة الركن العظيم الذي شرعه الله تطهيراً للأموال وإعانة للفقراء والمحتاجين إلى سيف مسلط على رقاب التجار والمواطنين لقد أُفرغت الزكاة من مضمونها الإنساني والشرعي لتتحول إلى جباية قاسية ومزدوجة تتجاوز النِصاب والقوانين المنظمة مهددة الاستقرار المالي لكل من يحاول كسب عيشه بشرف.
إن هذا الثلاثي القاتل لا يقتصر ضرره على جيب المواطن انما يمتد اغتيال النظام والقانون عبر تحويل أجهزة الدولة إلى أدوات لجمع الأموال خارج نطاق المساءلة وتخريب البيئة الاستثمارية وهو ما أدى فعلياً إلى هرب كثير من رؤوس الأموال الوطنية نحو الخارج وإعلان المئات من التجار إفلاسهم وإغلاق محلاتهم ومشاريعهم الصغيرة والكبيرة تباعاً وقتل الحياة الكريمة عبر خلق بيئة طاردة للعمل والإنتاج حيث يجد الشاب أو المستثمر نفسه غارقاً في دفع الإتاوات بدلاً من تطوير مشروعه.
إن الحديث عن أي تنمية حقيقية، أو نهوض اقتصادي، أو استقرار مجتمعي في ظل بقاء هذه المنظومة العبثية هو محض وهم.
السؤال المصيري الأهم
إذا كان العالم قد توحد عبر منظمة الصحة واليونيسف لاستئصال أمراض الطفولة عبر حملات الجد واليقظة والتطعيم فهل سنشهد قريباً حملة وطنية جادة لتنظيف مؤسسات الدولة من هذا الثلاثي القاتل؟ أم سيستمر الحال كما هو ويبقى هذا المثلث عبارة عن آلة تمتص دماء الشعب اليمني عمداً وعنوانا للتعسف الممنهج؟ .. سنواصل الحديث عن بقية القتلة في مواضيعنا القادمة ..
