يحيى نشوان*
الرواتب حق مشروع وليس فضلاً ولا منة من أحد، وكذلك العمل. ويستشيطك غضباً أن يأتي من يقول لك: الرواتب لمن في الجبهات القتالية فقط. وهذا صحيح لكنه مفهوم ناقص.
دعوني أروي لكم أولاً ما فعله الرئيس الروسي الدكتاتور المصلح ستالين. كان ماراً بموكبه في الشارع إبان الحرب العالمية الثانية ولمح بالصدفة ضابطاً كبيراً في الجيش بزيه العسكري يتقدم طابوراً طويلاً من المواطنين بعد أن استأذنهم وسمحوا له بأفضلية تقديمه عليهم.
سأل ستالين المواطنين: لماذا سمحتم لذلك الجنرال بتجاوزكم؟
قالوا: إنه يدافع عنا، لقد جاء لتوه من المعركة.
رد ستالين: حسناً.. وانتظر حتى فرغ الجنرال من شراء الخبز وأمر باستدعائه إليه أمام الجميع وسأله: لماذا سمح لك هؤلاء بتجاوزهم لشراء الخبز؟
قال: لأنني أقاتل وأتيت من المعركة.
رد عليه ستالين: وهؤلاء أليسوا في معركة؟ أينهم الآن؟ تباً لك.
وأمر بإعدامه على مرأى ومسمع الجميع ليكون عبرة لمن اعتبر، حتى لا يكون هناك استغلال للظروف بحجج وأعذار تضر بالوطن وأهله.
وانظروا كيف تعامل ستالين مع الأدباء والمثقفين الروس. يقال إن مكسيم غوركي كان يسكن في ضاحية غوركي قرب موسكو، وكان صوت القطار يزعجه أثناء الكتابة، فأمر ستالين بتحويل مسار السكة عدة كيلومترات بعيداً عن بيته إكراماً له. ولما مات غوركي عام 1936م كان ستالين أول من حمل نعشه ومشى في جنازته.
وهنا بيت القصيد:
الموظف جبهة بحد ذاته. فأنت تساند العدوان حينما تستغل نفوذك لتتذرع بالجبهات وأنت تحاصر الناس في معيشتهم وتستهدف الموظفين الذين تحاصرهم حتى في أعمالهم.
أنت لا تدرك ظروف الناس وطبيعة واقعهم لأنك مهووس بالهيلمان الذي تحيط به نفسك وتظن نفسك مفضلاً على العالمين. فالمبررات كثيرة ويستطيع أي مسؤول أن يوجدها لمحاضرة الناس في مستحقاتهم، لأن الخراب سهل والتعمير صعب، وهذا سلوك الحاقدين وليس سلوك الأسوياء. المسؤولية الحقة أن تساعد الناس وأولهم رعيتك الموظفون بأن تحقق العدالة والمساواة وليس الظلم والعنتريات المرفوضة والممقوتة.
حينما خرجت ثورة الشباب السلمية المسروقة للساحات كان شعارهم الأول بصوت مزلزل: “نرفض نرفض حكم العسكر”.. ثم تأتي أنت بثوب مدني أو عسكري صرف وبجلافة تتعامل مع الموظفين المدنيين بأسلوب عسكري وتساومهم على حقوقهم كأن ذلك فضل منك أو واجب عليك.
هذا سلوك معظم من ولتهم حكومة صنعاء المسؤولية. لا يا رئيس.. الممارسة الخاطئة مرفوضة بكل الأحوال.
ماذا يعني أن يقف المسؤول حجر عثرة أمام الموظف يستغل منصبه لإهانة الموظف أو الاستقواء عليه أو تغييب حقه؟ وهات من إجحاف وظلم.
وهل تدركون أن تلك الأسباب هي جزء من الأسباب الرئيسة ومن الدوافع الحقيقية التي دفعت الشباب للخروج بثورة 2011م الشبابية السلمية؟ هذا ليس عدلاً.
ماذا يعني أن يحرم الموظف من حقوقه بحجة أنه ما جاب لكم وساطة ورفض التذلل والتطبيل لكم ولغيركم؟
ولإيضاح هذا عودوا إلى كلمة المرحوم الأستاذ / محمد علي الربادي عضو مجلس النواب زمن عفاش وكلمته الشجاعة دوماً في الدفاع عن المواطن وقول كلمة الحق في وجه حاكم جائر.
وأذكر الجميع بنجاح حكم عفاش حتى في توزيع المشائخ إلى أجنحة حيث كان هناك مشائخ اعتبار وهم سادة القوم (مشائخ الضمان) الأصليون كابر عن كابر، وجناح المشائخ المصطنعين وهم مجموعة عملهم مشائخ ممن يعانون من عقدة نقص، وجناح سرق وقطاع طرق وجناح مناضلين وثوار وأحرار.. والحديث يطول.
وهنا في الوظيفة العامة يصطدم الموظف المحاصر في إطار عمله بشلة أوغاد يساندون العدوان، حيث العدوان يحاصر الناس من الخارج وهؤلاء يحاصرون الناس في الداخل.
لا حوافز ولا رواتب ولا شيء.. ناهيك عن الظروف والاختبارات التي يعانيها الموظف.
فإذا كان هؤلاء المسؤولون يريدون التطبيل فالمطبلون عندهم ولا داعي لإسقاط هذا السلوك على من لا يقدر على التطبيل وكأنه شرط على الموظف ليحصل على حقه.
هذه تصرفات ممقوتة وغير مقبولة وكل موظف له وزنه ومكانته، وإذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.
ومن الواضح أن المسيرة القرآنية في وادٍ والواقع والممارسة في وادٍ آخر.
حينما تكون في أروقة الحكومة ويكون لك حاجة تفكر أن تستعين بصديق للحصول على أقرب الطرق للوصول لحقك.. فالكل يقدم لك نصائح طبية وكلهم علماء، تماماً كمن اشترغ بالقات في مجلس مقيل تحول كل المخزنين إلى معالجين وأطباء ولا واحد منهم يفيد.. المهم أن الكل يشارك والنتيجة ينجو الذي اشترغ برحمة ربه وليس بغير ذلك.. وهلم جرا في هيك واكع.
*من مدونة الكاتب من فيسبوك
