عبدالسلام بنعيسي*
يصعب على المرء فهم هذا الاصطفاف الحماسي الذي أقدمت عليه كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين إلى جانب الدولة السعودية في هجومها الكاسح المُشَنِّ حاليا من جانبها على لبنان. لسنا أمام تضامن من طرف الدول المذكورة مع الشقيقة الكبرى التي هي السعودية. كلمة تضامن، كما عهدناها ودرجنا عليها، لها معنى نبيل، ويتجسد معناها النبيل هذا حين يصُبُّ التضامن في مصلحة جهة وقع عليها عدوان وظلم، ويتِمُّ التضامن معها لمؤازرتها من أجل نصرتها، ضدا في الذي يعتدي عليها، وبما يؤدي إلى رفع الظلم والعدوان عنها.
يكتسي التضامن بعده الأخلاقي حين يندرج في السياق الهادف إلى إحقاق الحق وترسيخ العدل. لا معنى لمقولة انصر أخاك ظالما أو مظلوما. من ينصر اليوم أخاه الظالم، فإنه يدفعه لاستطابة ممارسة الظلم، وقد يصبح غدا ضحيةً لظلمه. رفضُ الظلم ومواجهته قيمة أخلاقية يتعين التحلي بها كائنا من يكون الظالم، لا يجوز أن تدفع القرابة إلى استساغة الظلم والقبول به، لأنه صادرٌ عن قريب وعن شقيق..
الدولة اللبنانية برئيس جمهوريتها، ورئيس حكومتها، ورئيس برلمانها، وبأغلبية أحزابها، وبقادتها الروحيين والدينيين يصرخون، صباح مساء، بأنهم يريدون إقامة أفضل وأحسن العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وأنهم لا يكنون لها ولقادتها إلا الاحترام والتقدير، ويتطلعون إلى أن تظل مرجعهم وسندهم في كل الخطوات التي يقبلون عليها، فماذا تريد منهم الرياض أكثر من هذا؟
حين تطالب السعوديةُ الدولةَ اللبنانية بتهميش حزب الله وإقصائه من الحكومة، وفرض الحصار عليه وتجريده من سلاحه، فإنها تظلم السلطات اللبنانية، لأنها تضغط عليها من أجل إنجاز مطالب ليس بمقدورها إنجازها، فحزب الله مكون اجتماعي وسياسي رئيسي ثابت وصلدٌ في لبنان، وسلاحه فشلت أمريكا وإسرائيل ومعهما الغرب في نزعه منه، فكيف تنتظر الرياض من الحكومة اللبنانية التمكن من ذلك؟ فنحن أمام وصفة للدخول في حرب أهلية طاحنة لا يستطيع أي مسؤول لبناني عاقل ورزين أن يزج ببلده في أتونها، وأن تحسب عليه في تاريخه السياسي..
لبنان بلد ضعيف ومدمَّر، واقتصاده منهار، ومواد مثل الكهرباء، والمازوت، والدواء باتت شبه معدومة فيه، وتعيش حوالي 80 في المائة من ساكنته تحت عتبة الفقر المطلق، فأي معنى لإقدام المملكة العربية السعودية، الدولة الشقيقة التي أغناها الله من فضله، على زيادة لبنان همّاً على همومه؟ وأي معنى للتضامن الإماراتي والكويتي والبحريني معها في خطواتها التصعيدية ضد اللبنانيين؟ هل هناك حاجة فعلية لكي تشهر الرياض ومعها العواصم المذكورة سلسلة من التدابير العقابية ضد الشعب اللبناني؟ أليس ما في لبنان من أزمات ومشاكل تكفيه وتزيد؟
لو كان لبنان بلدا قويا وجبارا، وفي موقف الظالم والمعتدي على المملكة العربية السعودية، لجاز للكويت والإمارات والبحرين، ولكل العرب والمسلمين الوقوف في وجهه، والتضامن مع السعودية في جميع الخطوات التي تتخذها ضده، ولكن الحاصل اليوم هو العكس، فالشعب اللبناني مقهور ومحتاج لأشقائه، وبدل مدّه بالدعم والمساعدات، فإنه يشكل موضوعا لظلم خليجي قاسٍ مسلطٍ عليه.
حزب الله يصنف مقاومة من طرف الحكومات اللبنانية المتعاقبة، ويستمد شرعيته من البيانات الوزارية الصادرة عنها، وسلاحه موجه للكيان الصهيوني الذي يتلهف لسرقة النفط والغاز من المياه الإقليمية اللبنانية، وللحزب تحالفات مع ثلث سنة لبنان، وأكثر من نصف المسيحيين، ويحظى بتأييد الأغلبية المطلقة من الشيعة، فكيف تريد السعودية من أي حكومة لبنانية التطاول على هذا الحزب، لإلغائه من الحياة السياسية اللبنانية واستئصاله منها؟ كل مطلب يسير في هذا الاتجاه هو مطلب تعجيزي، ويستحيل الاستجابة له، حتى إن وجدت الرياض بعض السياسيين اللبنانيين الذين يتظاهرون بمسايرتها في مطلبها هذا، ويرددونه أمامها، فهم سيكونون عاجزين عن تطبيقه، إذا ما استلموا السلطة.
لقد اتخذت المملكة العربية السعودية إجراءات عقابية عديدة ضد حزب الله، إنها صنفته في الجامعة العربية تنظيما إرهابيا، وقطعت البث عن قناته التلفزيونية المنار في القمرين العربين النايل سات وعربسات، وتشن ضده حملات إعلامية ضارية، لمحاصرته وتأليب الرأي العام اللبناني والعربي والإسلامي ضده، وتعمل على تجفيف مصادر تمويله، وهذا حقها، ولا أحد من اللبنانيين من غير المنتمين لحزب الله يلومها على ما تفعله فيه، ولكن لا يعقل أن تعاقب السعودية الشعب اللبناني برمته، جراء ما تعتبره مشاركة للحزب المذكور في الحرب ضدها إلى جانب الحوثيين باليمن.
بتصرفها هذا، فإن السعودية تختصر الشعب اللبناني كله في حزب الله. لمعاقبة حزب الله، لا مشكل لدى المسؤولين في الرياض، في معاقبة جميع اللبنانيين دون تمييز. هل هذا عدل؟ هل هكذا يتصرف الأشقاء مع أشقائهم؟ هل هذه هي قيم العروبة والإسلام التي تربينا عليها ونحن صغار؟ وألا يشكل تضامن الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين مع السعودية في موقفها من اللبنانيين تشويها لكلمة تضامن بالمعنى النبيل الذي تحمله هذه الكلمة؟
*كاتب مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر