ياسر رافع*
يهوي المصريون فكرة الخلط على طريقة عمل آكلة الكشري والتي تؤدي بهم إلى نظرية المؤامرة التي يعشقونها وإلى السباب والشتم والذي يعد بمثابة الصلصه المشطشطة التي تضاف للكشري فتعطي نكهة ومذاق مصري خاص.. ولكن تلك الأكلة سريعة الهضم سريعة النسيان لهذا فسرعان ما ينسى المصريون قضاياهم وخلافاتهم مع المخالفين لهم بمجرد تغير بسيط في المواقف وينسون ما وراء القضايا أو الخلافات من أزمة يواجهونها تهدد وجودهم على المدى البعيد .
منذ أيام هاجت الدنيا وماجت بسبب السجال الدائر بين الفنان المصري ” محمد صبحي” ورئيس مجلس الإدارة العامة للترفية السعودية ” تركي آل الشيخ” والذي جاء على خلفية إستياء المصريين من موقف الفنانين المصريين الذين ذهبوا إلى السعودية ووصفوا السعودية بأنها ” قبلة الفن”. وهنا إختلطت المفاهيم والمواقف.. بين تقدير لموقف سياسي سعودي يقابله محاولة لتقزيم دور الدولة الناعمه لمصر.. وبين معارضة مصرية تريد أن تنتقم من موقف سعودي ضدها وبين موقف مؤيد يرى أن الأيادي البيضاء للسعودية لا تعد ولا تحصى.. وبين شارع مأزوم يرى بعيون مختلفة واقع يسحب فيه البساط من تحت أقدام مصر لصالح الخليج.. وهو ما أسلم الجميع لنظرية المؤامرة التي تتحدث عن مؤامرة خليجيه إسرائيليه لتقزيم الدور المصري بل إنهاؤه ولهذا كان السباب والشتم نوع من محاولة ترسيخ تلك النظرية في العقل المصري على طريقة ” عقلية الكشري”.
ولتفكيك طريقة التفكير القائمة على الخلط والتداخل يجب أولا تنحية ” عقلية الكشري” جانبا ولنفصل مكونات الأزمة لفهم طبيعة ما يجري حولنا.
في العام ١٩٨٣ كانت السعودية مع بداية مرحلة جديدة في السياسة حيث كانت تمتلك وحدها في هذا العام ربع النقد العالمي وهو ما بدا أنه يؤهلها إلى لعب دور سياسي كبير دولي وإقليمي يغلفه ويدعمه غني فاحش .. وهنا بدأت ” الحقبة السعودية” في السياسه العربية والممتدة من أوئل الثمانينيات وحتى أوائل التسعينات من أواخر القرن العشرين والتي بعدها بدأت تتراجع لصالح بداية حقبة إسرائيليه متناميه ولكنها لم تفقد بريقها رغم إنكساراتها بل تلاقت مصالح الحقبتين السعودية والإسرائيلية و أصبحتا سويا يشكلان المشهد السياسي في المنطقه منذ بداية القرن الواحد والعشرين لحد الأن.
من هذا المنطلق صاحب هذا الصعود السعودي محاولة طبيعية لفرض السيطرة والنفوذ ومن ضمنها محاولة خلق قوة ناعمه لها تخفف من حدة خوف الدول العربية من المذهب الديني الوهابي. وهنا ظهرت القنوات الفضائيه الترفيهيه السعوديه مثل ” MBC” ومجموعه قنوات ” روتانا” وملاكها أمراء من العائلة المالكة أو من المقربين منها. وفي العام ٢٠٠٤ زار الأمير السعودي ” الوليد بن طلال” مصر في زيارة أثارت زوبعه وأزمة داخلية على خلفية إعطاؤه هدايا ” ماسية” لعدد من وزراء الحكومه. ولكن أهم ما صرح به هو قوله ” سأجعل مصر تغني خليجي” وهو ما قوبل بسخرية آنذاك، لكن لم تمر السنوات القليله حتى إحتكرت شركته للإنتاج الفني الضخمه ” روتانا ” أصوات المطربين المصريين الكبار وأختفي كل صوت آخر ولم يقدر المنتجون المصريون على مجاراة الأمير وأمواله ونفوذة.. وبمرور الوقت شهدنا صعودا لافتا للغناء الخليجي والسعودي في القلب منه، بل أصبح إكتشاف المواهب الغنائيه المصرية والعربية تتم عن طريق برامج مسابقات ممولة من السعودية.
ورغم ذلك لم يلتفت المصريون لما وراء ذلك!!!
مع تبني الدولة السعودية لرؤية ٢٠٣٠ الإقتصادية والتي ستضمن لها الإندماج الكامل مع المنظومة الغربية فقد سارعت من وتيرة تنامي القوة الناعمه لديها بقيادة ” تركي آل الشيخ” ووضعت مصر هدفا لها لسببين هما حجم السكان الكبير والثاني هو المخزون الكبير لمسببات القوه الناعمه لديها ولهذا نجد أنها سارعت منذ ٢٠١٤ إلى تبني أنشطة وفعاليات فنيه ضخمة ركيزتها الأساسية الموجهه للداخل العربي هم الفنانين والمطربين المصريين من أجل جذب مشاهدات وجمهور من الملايين المصرية وإستغلال القوة الناعمه المصرية كمحطة إنطلاق لهيمنة القوة الناعمة السعودية على المدى الطويل.
وكما روتانا أصبحت منصة شاهد التلفزيونية أداة للتحكم في السوق الفني المصري وتطويعه. وأستبدل ” الوليد بن طلال” ب” تركي ال الشيخ” ولكن تبقى الحقيقه أن الحقبة السياسية السعودية تريد أن تستمر وتكبر وهذا حقها حتى وإن إتبعت الأساليب الملتويه فهذه هي طبائع السياسه. لكن علينا في المقابل أن لا نفكر كمصريون بعقلية الكشري فالسياسه لها مواقفها المتداخله فليس معنى أن تقول أن السعودية حليف وشريك أن تنسى أن لها رؤية سياسيه تتقاطع معك في بعض المواقف وأن لغة السباب والشتم محاولة يائسه لإسترجاع ماضي أصبح هشيما تذروه الرياح
يجب أن نتخلص من عقلية خلط الأمور ونظرية المؤامرة والتعامل معها بالسباب والشتم. العالم يتغير من حولنا ونحن خسرنا كثيرا ولهذا يجب أن نتعامل مع العصر بأدواته وطريقته حتى لا نفاجئ بمجئ أمير سعودي ثالث يأخذ ما تبقى لدينا ويبشر بحقبة سياسية جديدة أشد قتامه على مصر
*كاتب مصري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر