كتبت/ زهور السعيدي
تهاني الذماري سيدة يمنية مغمورة، تعيش برفقة زوجها وأولادها في العاصمة المصرية القاهرة، لكنها تحولت خلال الاسابيع الماضية إلى سيدة شهيرة، وتصدرت تناولات الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.
سبب هذا التحول اللافت في حياة تهاني لم يكن عملا إبداعيا، أو انجازا كبيرا، وإنما كان صناعة محتوى استثنائي يحكي تعرضها للعنف الجسدي ومحاولة قتلها من قبل زوجها النافذ، وهو مسئول سابق في حكومة بلاده.
مقطع فيديو مقتضب بثته تهاني على مواقع التواصل، روت فيه تفاصيل اعتداء زوجها الذي كان يشغل منصب وكيل مساعد لوزارة السياحة اليمنية عليها وعلى أطفالها الثلاثة ومحاولته قتلهم بساطور، لكنه لم يتمكن من ذلك، لتُصاب بجروح خطيرة في يدها، الأمر الذي أثار ردود أفعال واسعة من قبل الناشطين على الساحتين اليمنية والمصرية، كما تم تداول المقطع بشكل واسع في غالبية البلدان العربية، وحظيت تهاني التي قالت انها تعمل ناقشة حناء وتجني من عملها بعض المال لإعالة أطفالها، حظيت بدعم واسع وتضامن كبير وأسهم كل ذلك في سرعة القاء القبض على الزوج من قبل الشرطة المصرية.
بعض الحماية وكثير من التعاطف
وصلت تهاني الذماري بذكاء، إلى بعض الحماية وكثير من التعاطف والمساندة، من قبل ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، الذين تسابقوا في تقديم النصائح والمشورات القانونية لضمان حمايتها ومعاقبة زوجها المعتدي، لكن قصتها صارت في الوقت ذاته مصدر الهام لمئات الالاف من نساء اليمن اللائي يتعرضن لأشكال لا تحصى من العنف بمختلف أشكاله دون أن يتمكّن من الوصول إلى الحد الأدنى من الحماية.
ربما تكون تهاني الذماري محظوظة إعلاميا بخلاف الكثيرات من اليمنيات ممن أصبحن يواجهن بعد ثماني سنوات من الحرب، المزيد من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتقول الناشطة مروى علي رئيسة منظمة تحصين للتمكين الانساني بأن الحرب المتواصلة منذ نحو ثماني سنوات فاقمت كثيرا من ظاهرة العنف ضد النساء في مجتمع تسود فيه معايير صارمة ومجحفة بحق المرأة.
ويشير تقرير صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى ان العنف ضد المرأة في اليمن، ارتفع بنسبة 63% عمّا كان عليه قبل بداية الصراع في العام 2015، وأن 2.6 مليون امرأة يمنية باتت معرضة لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي.
لم تحصل تهاني الذماري وهي في العقد الثالث من العمر، على الحماية الكلية والانصاف المنتظر، إذ أن الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي ومنهم محامون وحقوقيون أكدوا أن الجاني زوج تهاني لم يستمر توقيفه لدى الشرطة المصرية لأكثر من ساعات معدودات قبل الافراج عليه بكفالة وتعهد خطي بعد التعرّض للمجني عليها. لكن ذلك كما تؤكد الناشطة الحقوقية والاعلامية اليمنية سماح غالب يعد مستوى مقبولا من الحماية التي لم تكن تهاني لتحصل عليه فيما لو كانت في أي من مناطق اليمن.
صور العنف في اليمن
ظلت المرأة على امتداد التاريخ اليمني الفئة الأقل قوة من الرجل كما أسهمت الثقافة التقليدية السائدة والقائلة بأن من العيب على المرأة ان تقوم بتقديم بلاغ لجهات رسمية عن أي اساءة قد تتعرض لها من قبل الاقارب من الدرجتين الاولى والثانية، أسهمت هذه الثقافة في اتساع وتصاعد ظاهرة العنف ضد النساء، ويقول الدكتور محمد عبدالله الباحث في علم النفس الاجتماعي بأن هذه المفاهيم المغلوطة جعلت من حوادث العنف ضد المرأة مسألة اعتيادية ومستساغة من قبل الكثيرين بما فيهم النساء انفسهن ويوضح بأن صورا كثيرة من العنف ضد المرأة وخاصة في الاطار الأسري كانت منتشرة بصورة كبيرة منذ مئات السنين في المجتمع اليمني جراء هذه الثقافة لكن تداعيات الصراع الحالي ضاعف من احتمالات وقوع حوادث العنف ضد النساء.
وتتنوع صور العنف ضد المرأة ما بين الاعتداء الجسدي الشائع على ناطق الأسرة من قبل الأخ او الأب أو الزوج اوعلى النطاق العام وهذا الاخير كان نتاجا لتداعيات الصراع الحالي حيث وجدت نساء اليمن أنفسهن أمام أنواع أخرى من العنف مثل الاستهداف المباشر من أطراف النزاع واعتقال واحتجاز تعسفي لأخريات وخصوصا من فئة الناشطات والحقوقيات اللائي أصبحن يواجهن مخاطر جمة على خلفية مواقفهن السياسية أو انتماءاتهن الحزبية وحتى على مستوى مناطقهن الجغرافية.
الجانب القانوني
لا يوجد في اليمن قانون خاص لحماية النساء من العنف القائم على النوع الاجتماعي وحتى قانون الاحوال الشخصية لا تنفصل أحكامه كثيرا كما يقول المحامي محمد أمين عن الثقافة التقليدية السائدة في المجتمع اليمني منذ مئات السنين والتي لا توفر للمرأة أي نوع من الحماية.. ويضيف المحامي أمين بأن الأمر لا يتوقف على ذلك بل إن بعض أحكام قانون الأحوال الشخصية يوفر مجالا جديدا لممارسة العنف ضد النساء فهذه الأحكام يوجب على المرأة الانصياع الكامل للزوج لتلبية كل رغباته ونزواته حتى وان لم تكن راغبة فيها كما تقرر احكاما مخففة على الرجال المدانين بما يعرف بجرائم الشرف والحفاظ على سمعة الأسرة أو القبيلة ليفتح بالتالي الباب على مصراعيه لانتهاك حقوق المرأة واستباحة حقوقها وآدميتها على نطاق واسع.
تبقى تهاني الذماري الهاربة من جحيم الحرب في اليمن إلى نار تسلط وهمجية زوجها في بلد المهجر أنموذجا لملايين اليمنيات ممن أصبحن عرضة لأشكال كثيرة من العنف، وإن حصلت على جزء يسير من الحماية غير الكاملة هناك، فإن السواد الأعظم من نساء اليمن لا يجدن في الوطن الأم على أي من تلك الحماية المفقودة.
” تم نشر هذا التقرير بدعم من /JDH JHR صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا “
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر