صالح القزويني*
في يوم من الايام كنت عائدا من عملي، وفي طريقي للبيت رأيت فتاة بعمر الزهور ولا يبدو عليها انها تجاوزت العشرين وكانت ترتدي مانتو (الرداء السائد في ايران غير التشادور) وقد فتحت متعمدة ازراره لتبدي ما تحته، فكانت ترتدي كنزة خاصة باللواتي يردن اظهار صرتهن، استغربت جدا لانني اسكن وسط طهران في منطقة معروفة لدى الجميع بأنها محافظة، واذا بي أرى ذلك، لشدة استغرابي رويت هذا المشهد لاحد اصدقائي، فقال انا رأيت مثل ذلك مرات عديدة، تصورت انه يريد مجاراتي، فرويت الأمر لصديق اخر، فكرر كلام الأول.
ليس هذا وحسب، فهناك مشهد يتكرر امامي كلما اركب المترو للتنقل، فطالما أرى شابا يحتضن فتاة ويقبلها ويمرر يده على ظهرها ويدلكها وكأنه في دولة غربية وليست الجمهورية الاسلامية.
وايضا ارفقت بهذا المقال مقطع فيديو لقضية وقعت في مدينة شيراز في حزيران الماضي واثارت ضجة واسعة، وتناقلتها وسائل الاعلام، خلاصتها أن مجموعة من الفتيات والفتيان يجتمعون في منطقة من المدينة ومعظم الفتيات لا يرتدين الحجاب كما ان ملابسهم وأشكاله تدل على أنهم يقلدون الغرب في كل شيء.
وهنا لو أردت سرد الأعمال المخلة بالآداب التي تحدث في الشوارع الايرانية لطال بنا المقام، لذلك أطرح التساءل التالي:
بربكم ألا يدل انتهاك الآداب والأخلاق في الأماكن العامة على أن منتهكيها لا يخشون شرطة الآداب ويعلمون أن الشرطة لن تفعل شيئا، فلو كانت تلك الفتاة التي تظهر صرتها أو شاب وفتاة المترو أو تلكم المجموعة من القتيان والفتيات في شيراز، لو كانوا متيقنين ان شرطة الآداب ستقوم بمعاقبتهم وربما سجنهم، هل كانوا سيقدمون على هذه الأعمال التي تخدش الحياء العام ولا تناسب بتاتا دولة اسلامية وشعبا مسلما؟
اليوم يثير الجميع ضجيجا حول ضرورة منح السلطات الايرانية الحرية للمرأة، وأنا متأكد ان معظمهم لديهم غايات وراء دعواتهم، وفي مقدمة هذه الغايات ارغام الحكومة الايرانية على التنازل في الكثير من الملفات مقابل توقفهم عن تحريض الشعب الايراني، ومعظم هؤلاء يعلمون بمدى الحرية التي تتمتع بها الفتيات في الاماكن العامة، كما أن القوانين تمنح النساء حقوقا واسعة احيانا تفوق على معظم الدول الاسلامية، سأروي لكم هذه الحادثة وقعت لي شخصيا:
قانون جواز السفر الايراني لا يسمح للمرأة والأولاد الحصول على الجواز دون أن يوقع الزوج أو ولي الأمر على الموافقة على منحهم الجواز في مكتب عدلي، وكنت أعلم بذلك ولكنني لم أكن أعلم أن تجديد الجواز بحاجة أيضا لموافقة جديدة، لذلك كنت عازما على السفر خارج ايران مع عائلتي، استوقفنا شرطي الجوازات وقال غير مسموح لزوجتك بمغادرة البلاد قلت له لماذا، قال لان جوازها ليس فيه موافقة الزوج، قلت له ولكنني معها ومن الطبيعي لو لم اكن قد وافقت لما رافقتني، قال هذا هو القانون، قلت له وماذا بشأن بناتي، قال بامكانهن ان يسافرن معك قلت كيف يمكن لبناتي أن يسافرن مع انني جددت جوازهن مع والدتهن وليس في جوازهن موافقتي، قال بما ان عمرهن تجاوز الثمانية عشرة فيمكن أن يحصلن على الجواز والسفر حتى من دون موافقة ولي أمرهن.
سأزيدكم من البيت شعرا، هل تعلمون أن وثيقة الزواج الايرانية فيها أكثر من عشرين بندا، طبعا هذه البنود أو الشروط غير ملزمة، يعني بامكان الزوج أن لا يوقع عليها، ولكن من يجرأ على عدم التوقيع، فاذا لم يوقع ستشك زوجته وأهلها بانه لديه مآرب ونوايا من عدم التوقيع لذلك يقع في الاحراج ويضطر الى التوقيع، ولكن من بين هذه الشروط أن الزوج لا يحق له الزواج بامرأة أخرى من دون اذن زوجته، ومن بين الشروط أيضا أن نصف ما امتلكه الزوج بعد الزواج يعطيه لزوجته اذا قرر طلاقها.
لا شك أن الذي وضع مثل هذه البنود والشروط كان يريد توثيق العلاقة الزوجية وأن لا يفكر الزوج بالطلاق، ولكن نسي أن مثل هذه الشروط وغيرها تجعل المرأة تستأسد على الرجل، وأنه سيعيش تحت رحمتها، و..و..
هذا غيض من فيض الحريات والحقوق التي يمنحها القانون الايراني للمرأة، ويدافع عنها ويساندها بكل قوة، ونرى أن هناك من يأتي ويقول ان المرأة الايرانية لا تتمتع بالحرية وليس لها حقوق.
هل تعلمون أن الأمية كانت مستشرية بين النساء الايرانيات قبل الثورة بينما ايران اليوم من الدول الرائدة في العالم بتعليم المرأة ومحو الأمية وفق الاحصائيات الأممية، كما أن الجامعات الايرانية اليوم يتقاسمها الذكور والاناث أي أن 50% للطالبات و 50% للطلاب، ووفقا لاحصائيات الصحة والأمل في الحياة فان عمر النساء وصل الى خمسة وسبعين بينما وصل عمر الرجال الى سبعين، كما أن نسبة حصول النساء على التخصصات الطبية العليا في الجامعات الايرانية ارتفعت العام الماضي 12% بينما لم ترتفع للذكور سوى 3%، وكذلك فقد كانت النساء الايرانية يشاركون في لعبة واحدة في المنافسات الدولية ولكنهن اليوم ينافسن في أكثر من 40 لعبة.
هذا جزء بسيط جدا من الحريات والحقوق التي تتمتع بها المرأة في ايران، ورغم ذلك يأتي من يقول أن النساء في ايران لا يتمتعن بالحقوق والحريات.
صحيح لدى ايران شرطة الاخلاق أو الآداب، ولكن غاية ما تفعله هو أن انها تنقل بعض الفتيات أو النساء المتبرجات الى مركزها وهناك يقدمون لهن النصائح بضرورة الالتزام بالحجاب وياخذون منهن تعهدا بعدم تكرار ذلك، والقضية لا تدوم لأكثر من ساعتين ثم يطلقون سراحهن، ومع ان السلطات الايرانية تدرك جيدا أن الالتزام بالحجاب يجب أن يكون من قناعة ذاتية وان الاجبار والالزام لن يجدي ولكنها تفعل ذلك لكي لا تخرج الأمور عن حدودها.
وهنا ينبغي القول ان هذه الاحتجاجات لن تسقط النظام ولن تطيح به، لسببين رئيسيين:
أولا: لأنها تطالب بأمور لا يتفق عليها جميع الايرانيين بل ان معظم النساء الايرانيات يرفضن التبرج ومن دون حجاب، والتظاهرات والتجمعات المليونية التي تشهدها المدن الايرانية هذه الايام دليل على ذلك، كما أن هذه المطالب لا تكتسب مصداقية لدى الشعب الايران لأنه يرى بأم عينيه مدى الحرية التي تتمتع بها النساء ومدى الحقوق التي تمنحها القوانين الايرانية للنساء، ولو كانت هذه الاحتجاجات ضد الوضع الاقتصادي لنالت تأييدا أوسع ولما اقتصرت على العشرات وفي أحسن الأحوال المئات.
ثانيا: لأنها لجأت الى العنف والشغب، وهذا لا يمنح ذريعة ومبررا شرعيا وقانونيا للسلطات بالسيطرة عليها واحتوائها واحيانا قمعها وحسب، بل يردع الكثير من الايرانيين من المشاركة فيها وتوسيع نطاقها، فبالتالي الكثير من الايرانيين يخشون أن تطالهم أعمال العنف والشغب فلا يشاركون فيها بل يردعون أبناءهم وذويهم من المشاركة فيها.
البعض يتحدث عن أن الاحتجاجات سلمية وان السلطات هي التي تستخدم العنف ضدها، واليكم هذه الاحصائيات التي صدرت الاسبوع الماضي:
الاضرار بـ 15 سيارة شرطة، الاضرار بـ 70 محطة باص، الاضرار بـ 170 حافلة، الاضرار بـ 323 بنكا، الاضرار بـ 85 سيارة اسعاف، الاضرار بـ 30 سيارة اطفاء، 11 سرقة من البنوك، اصابة 10 مسعفين، اصابة 200 عنصر من العناصر الأمنية، نحو 60 قتيلا مدنيا، 19 قتيلا للقوى الأمنية، فهل يا ترى أن السلطات وراء كل هذه الأضرار والخسائر؟
وقبل أن أختم لدي ملاحظة بشأن مصطلح النظام الايراني، فانني اذهب الى ما ذهب اليه سماحة السيد حسن نصر الله في احدى خطاباته الأخيرة وقال ان كلمة النظام ليست سلبية بل على العكس ايجابية، فهي تعني النظم.
*باحث في الشأن الايراني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر