الجمعة , مارس 27 2026
الرئيسية / اراء / بايدن وترامب وجها عملة رديئة واحدة

بايدن وترامب وجها عملة رديئة واحدة

بلال المصري*
ربما لم يلتفت كثير من العرب إلي تلك العبارة التي قالها الرئيس الأمريكي جو بايدن في 26 أكتوبر2022 لضيفه رئيس الكيان الصهيوني إسحاق هرتسوج في البيت الأبيض والتي نصها :” إنه إذا لم تكن هناك إسرائيل فسيتعين علينا اختراعها ” , وهذه العبارة بلا أدني شك تُعد من العبارات الدامغة والدالة بوضوح علي العلاقة العضوية التي تربط ما بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني حتي منذ ما قبل تأسيسه رسمياً في 15 مايو 1948 , فقد مارست الولايات المتحدة ضغوطا قوية علي بعض الدول للتصويت لصالح قرار تقسيم فلسطين الذي خضع لمناقشات في اجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 نوفمبر 1947 ففي 11أكتوبر1947أعلن الوفد الأمريكي بالأمم المتحدة عن تأييده لمشروع قرار القسيم مع بعض التحفظات غيرأنه ظهر بوضوح أنه إذا ما تركت الدول الأعضاء في الجمعية العامة لتتخذ مواقفها منه بحرية فإن خطة التقسيم سوف تفشل لاسيما وقد وضح في تقدير مبدئي للإتجاهات في اللجنة السياسية الخاصة أن هناك ما يقرب من 24 دولة تؤيد مشروع التقسيم و16 دولة تعارضه والدول الباقية ستمتنع عن التصويت وقُدرت بنحو 17 دولة , وفي 26 نوفمبر 1947 حينما تم أخذ الأصوات في اللجنة السياسية الخاصة كانت النتيجة 25 دولة في صالح مشروع التقسيم وعارضته 13 دولة , وكان معني ذلك أن مشروع التقسيم كسب صوتاً لصالحه وخسرت المعارضة ثلاث أصوات وزادت أصوات الدول الممتنعة بصوتين , ولم تكن هذه النتيجةكافية للحصول علي أغلبية الثلثين اللازمة لإصدار توصية بشأن المشروع ولذا ركز الصهاينة نشاطهم بإستخدام مجموعة من الأمريكيين ذوي الميول الصهيونية لمعاونتهم فيتحقيق هدف تمرير مشروع هذا القرار وتم الضغط السياسي والإقتصادي علي الدول التي إمتنعت عن التصويت أو عارضت المشروع , وكان الضغط الأمريكي واضحاً لدرجة أن أحد غلاة الصهاينة المرتبطين بالحركة الصهيونية العالمية ويُدعي David Horowitz قال صراحة :”إن الطريقة التي تم بها تحويل التصويت النهائي في الجمعية العامة للأمم المتحدة يجب أن تعزي إلي وزن الولايات المتحدة الذي مارسته في الساعة الأخيرة ” , وقد إتصل عدد من وزراء الرئيس الأمريكي ترومان ورجال الكونجرس وكبار مستشاريه وسفرائه بممثلي الدول التي تحصل علي المساعدات الأمريكية ونجحت الضغوط التي مرست علي ليبريا وهايتي والفلبين في تحويل نمط تصويتهم ليكون في صالح مشروع قرار التقسيم .
إن الرئيس الأمريكي جو بايدن لم يكن بعبارته تلك يعني أي شيء إلا ليوضح الجذور الصهيونية للدولة الأمريكية فالصهيونية التي تتسم بها كل الإدارات الأمريكية جمهورية أو ديموقراطية فبها كلها جذور دينية صهيو / مسيحية تحولت بتعاقب الزمن والإدارات إلي حاجة أو نهج ديني / سياسي لابد للمرشحين الرئاسيين أو نواب الكونجرس وغيرهم من الوفاء به كونه يعبر عن الجذور الصهيونية للدولة الأمريكية التي غالباً ما كانت تتدثر بغلالة شفافة من الليبرالية خلعها ترامب وجو بايدن علي التتابع , فلم يعد من الضروري مع ذلك التماهي العربي الرسمي مع الصهاينة التدثر بها , فعبارة الرئيس بايدن تلك كاشفة عن الحقيقة العارية وهي أن الولايات المتحدة لن تكون الولايات المتحدة إلا والكيان الصهيوني قائم ويعمل في المجتمع الدولي .
كان الكونجرس الأمريكي عام 1995 قد أصدر قانون القدس الذي تضمن أنه ” ينبغي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل ” , وفي 6 ديسمبر 2017 اعترفت إدارة الرئيس Donald Trump رسميًّا بالقدس عاصمة لإسرائيل و نقلت السفارة الأمريكية إليها وكذا إنتقلت إليها بعض السفارات الأخري والمُثير للإستغراب أنه في 8 ديسمبر2017 زعم وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون أن بيان الرئيسTrump : “لا يشير إلى أي وضع نهائي للقدس” وأنه “كان واضحاً جداً حول الوضع النهائي، بما في ذلك الحدود، أنه سيترك للطرفين للتفاوض والبت فيه ” وكأن الأمريكيين يريدون أن يستمروا في أداء دور مزدوج تأكدوا من أنه ينطلي علي بعض العرب , فمن الجلي جداً أن الولايات المتحدة كان همها الوحيد بإستمرار هو أمن الكيان الصهيوني فالمسؤلبن الأمريكيون غير معنيون بالعرب ويطلقون عليهم فادة من كرتون فخذ مثلاً موقف الرئيس Trump الذي وقع في 25 مارس 2019 علي مرسوم بإعتراف الولايات المتحدة بسيادة الكيان الصهيوني علي مرتفعات الجولان السورية , وبذلك ضم الكيان الصهيوني الجولان والقدس جهاراً ببيانات رسمية وقولية وفي الوقت نفسه تجد وزير خارجيته Pompeo يقول للصحفيين إن سياسة الولايات المتحدة طويلة الأمد بشأن مرتفعات الجولان لم تتغيرثم نراه وهو يزور حائط المبكى مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني Netanyahu وهي المرة الأولى التي يقوم فيها مسؤول حكومي أمريكي بذلك مع رئيس وزراء صهيوني , ثم نجد وزير الخارجية الأمريكي في زيارته للكيان الصهيوني يثني علي قرار الرئيس Trump بالإعتراف بسيادة الكيان الصهيوني علي مرتفعات الجولان ليقول : “أنه تكريم لمحاربي إسرائيل , وأن معركة الدبابات التي فتحت الطريق أمام استيلاء إسرائيل على مرتفعات الجولان كانت شهادة على الشجاعة الإسرائيلية المذهلة ، مضيفًا أنه درسها كطالب في West Point ” .
قبل تنصيب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة بخمسة أيام فقط أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في 15 يناير 2021 أنها ستضم “الكيان الصهيوني” حليفها الوثيق في المنطقة إلي نطاق عمل قيادتها المركزية U.S. Central Command , وهي أحد 6 قيادات عسكرية أمريكية جغرافية تغطي العالم إضافة لأربع قيادات وظيفية , وكان الكيان الصهيوني ولعقود مضت ضمن نطاق عمل القيادة العسكرية الأوروربية للولايات المُتحدة EUCOM , ومما يُشير إلي إرتباط هذا القرار بالقرارات والتطورات المُتتابعة التي إتخذتها إدارة الرئيس Trumpوشكلت إنقلاباً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط كقرار الإعتراف بالقدس عاصمة للكيان والإعتراف بضم الضفة الغربية والجولان للكيان بالإضافة إلي نقل السفارة الأمريكية نفسها للقدس , وبالتالي فقرار تحويل تبعية الكيان الصهيوني للقيادة المركزية CENTCOM الذي وقع الرئيس الأمريكي Trump الأمر الرئاسي المُتعلق به قبل نحو أسبوع من إنتهاء ولايته الرئاسية لا يمكن فصله عن هذه القرارات وبالتالي فالقرار ما هو إلا إستكمال للقرارات السابقة المُشار إليها , كما أنه قرار أوضح كثير من المراقبين بأنه يأتي في سياق دعم التقدم المُحرز في تطبيع العلاقات العربية / الصهيونية بعد توقيع الإمارات العربية والبحرين والكيان الصهيوني ما يُعرف بإتفاقيات إبراهيم , وبالتالي فسيصبح الكيان الصهيوني داخلاً في نطاق ولاية القيادة العسكرية المركزية الأمريكية التي تأسست في الأول من يناير 1983وهو نطاق يغطي 20 دولة واقعة في مناطق الشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا والممرات المائية المُحيطة بها .

لم يلغ الرئيس جو بايدن ما أتخذه سابقه الرئيس دونالد ترامب من قرارات كانت مناقضة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية بل تماهي معها ولم تنتقدها إدارته ومضي يردد شعار : “حل الدولتين” بدون أي تحرك عملي فقط ترديد الشعار , وهاهو الآن يقول لرئيس الكيان الصهيوني جهاراً وبلا أي خشية من تأثير ما علي شعار حل الدولتين يقول :” إنه إذا لم تكن هناك إسرائيل فسيتعين علينا اختراعها ” .
أما آن للفلسطينيين علي الأقل أن يتصالحوا وكفاهم فرقة يكفيهم أن أنصارهم من العرب الحاليين إبتلعتهم الظلمات والخشية وباتوا لا يفكرون إلا في أنفسهم , إن مقولة الرئيس بايدن لرئيس الكيان الصهيوني مزلزلة لو أدركنا مغزاها الذي لا يقل عن كونه أن الرئيس الأمريكي الحالي وإدارته لا يقيمون وزناً للقضية الفلسطينية مع أن هناك في فلسطين نفسها من يستطيع أن يصنع معادلة جديدة ومروعة لكل من الأمريكيين والصهاينة معاً .
*كاتب مصري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

معركة هرمز!

  أحمد عبدالباسط الرجوب* أمامنا قراءة تاريخية مثيرة، تستند إلى وقائع حرب السويس عام 1956، …