اسيا العتروس*
لماذا نهتم بالانتخابات الامريكية ؟كثيرة هي الاسباب التي تجعل انظار العالم بما في ذلك دول مصنفة بالديموقراطيات العريقة تتجه الى سباق انتخابات الامريكية لمتابعة ما يمكن ان تفرزه اصوات الناخبين سواء تعلق الامر بانتخابات البيت الابيض او كذلك بالانتخابات التشريعية , قد يعتبر البعض أن الامر يمكن ان يكون عملية تعويض لما تفتقده بعض الامم و الشعوب التي لا تعرف الانتخابات الا من خلال شاشة التلفزة و لاشك أن الامر لا يتعلق فقط بخصوصية اللعبة الديموقراطية الامريكية الفريدة من نوعها و التنافس الحاصل بين انصار الحمير او الفيلة شعارا الحزبان المهيمنان على المشهد السياسي الامريكي و لا ايضا بتداخل المصالح بين المالي و السياسي و الاعلامي في كل اختبار انتخابي و لا حتى بطبيعة الملفات و القضايا العالقة التي يدور حولها تنافس المتنافسين …و الارجح أن الامر يتجاوز ذلك بكثير و ربما يتنزل في اطار مسألتين أساسيتين تعلق بمتتبعي المشهدالانتخابي الامريكي, و الاولى ذاتية وتتعلق بتطلع الكثيرين لا سيما في الدول كانت الديموقراطية فيها ضيفا عابرا لم تعرف الاستمرار و الاستقرار بسبب سوء النوايا و هيمنة ثقافة التسلط و التفرد بالرأي على العقلية التعددية الديموقراطية أو كذلك بسب نهم و جشع النخب السياسية و اصرارها على تحويل المواعيد الانتخابية الى فرجة غبية لاستعراض مختلف مراحل العملية الانتخابية في ادق تفاصيلها بما في ذلك شهادات المراقبين دون ان يتوفر لها في المقابل على أرض الواقع ما يكرسها كعقلية و ممارسة تقوم على الانتقال السلمي للسلطة على أساس الانجازات التي تلبي تطلعات الشعوب و تحرم شروط المواطنة و تعزز الثقة بين الحاكم و المحكوم بعيدا عن الخوف و الابتزازات و المساومات .
وأما الثانية فهي بالتأكيد تتجاوز ما سبق الى ما هو ابعد و اشمل و ترتبط بالدور الامريكي المتنفذ في العالم و هيمنة امريكا كقوة عسكرية و سياسية و اقتصادية على مختلف شعوب الارض و تتحكم بشكل مباشرأو غير مباشر في مصيرها و سيادتها و خياراتها ما هو معلوم أو مجهول …و من هذا المنطلق فان المسألة لا ترتبط بوجود الديموقراطيين او الجمهوريين في السلطة ذلك ان اهتمام الناخب الامريكي يذهب في عملية التصويت الى قضاياه المحلية المصيرية المتعلقة بالضرائب و الاقتصاد و البطالة و الصحة و الحق في حمل السلاح و لاحقا قضية الاجهاض…و في المقابل فان ما يحدث على ارض الواقع من حرب يدور رحاها بين روسيا و اوكرانيا لا يبدو أنه يشغل الناخب الامريكي دافع الضرائب في كل الحالات …و لا يبد وأن لتقدم الجمهوريين المحتمل في الانتخابات النصفية الراهنة في الكونغرس الامريكي يمكن أن يغير العناوين الكبرى للتوجهات في السياسة الخارجية الامريكية التي تبقى مهما اختلفت مواقف الحزبين بشأنها مرتبطة بلعبة المصالح اجيوستراتيجية الامريكية التي تخضع لمؤسسات صنع القرارات و مؤسسات البحث الامريكي و التينك تانك التي think tank تخطط لعلاقات امريكا على البعدين القريب و البعيد كل ما يعنيه ذلك من تحولات اقليمية و دولية كما هو الحال بعد ظهور جائحة كورونا و ما افرزته من شروط جديدة في العلاقات الدولية او كذلك الحرب الروسية في اوكرانيا و اكراهاتها و حساباتها و تداعياتها الامنية و العسكرية و الاقتصادية في علاقة بالحلف الاطلسي و بدول الاتحاد الاوروبي وبتنامي صعود التنين الصيني …فالثابت الوحيد في السياسة الامريكية يبقى دون شك علاقاتها الاستثنائية بالحليف الاسرائيلي سواء كان الليكود او العمل في الحكم و سوء كان الخيار بين التطرف و الاكثر تطرفا …وسيكون من السذاجة ل من الغباء أن نعتبر أن نتائج هذه الانتخابات التي يعيش على وقعها العالم و ينتظر نتائجها منذ يوم الثلاثاء سيكون لها أدنى تأثير في الملفات العالقة في العالم العربي بدءا بالقضية الفسطينية التي يمكن قراءتها من تصريحات بايدن و هو يهني ناتنياهو على فوزه في الانتخابات الاسرائيلية و يفاخر بان” لو لم توجد اسرائيل لكنا اوجدناها ” أو كذلك بالملف السوري بعد اكثر من عقد على الحرب في هذا البلد ووقوعه تحت هيمنة اربعة جيوش اجنبية او كذلك الملف لعراقي بعد ربع قرن على الاجتياح الامريكي للعراق او كذلك الملف اليمني و النزيف الذي طال امده في هذا البلد او حتى في الجوار الليبي حيث يبدو ان استمرار الوضع على ما هو عليه بات هدف للقوى الدولة المتداخلة في هذا البلد …و ربما يكون الملف الافغاني من بين الملفات القليلة الي قد تطرج جديا في الكونغرس في علاقة بدوافع و تداعيات الانسحاب لعسكري المفاجئ من افغانستان تت ادارة ترامب و الامر ذاته قد ينسحب على الملف النووي الايراني الذي تعول واشنطن على اتزاز و اضطراب الوضع الداخلي الايراني لاعادة طرحه وفق شروط امريكية متصلبة ..
وربما لهذه الاسباب او لغيرها ايضا فقد اسبقت روسيا نتائج الانتخابات النصفية الامريكية بالتاكيد على أنه مهما كانت هذه النتائج فان العلاقات مع واشنطن ستبقى “سيئة”على اعتبار أن هذه النتائج لن تغير شيئا ..
الواضح انه مع تبدد امال الجمهوريين في حدوث اختراق غير مسبوق في الكونغرس و قلب المشهد بما يمكن اعتباره صفعة الذين يبدو انهم يقتربون من تجنب الاسوأ و الخروج باقل الاضرار الممكنة من هذا السباق قبل سنتين على موعد الانتخابات الرئاسية 2024 فان عدم الوضوح يبقى سيد المشهد بالنسبة للرئيس بايدن الذي سيتجاوزالثمانين مع حلول السباق الرئاسي على وقع تراجعه في استطلاعات الرأي و لكن ايضا بالنسبة لغريمه السابق دونالد ترامب الحالم باستعادة مكتبه في البيت الابيض ..
*كاتبة تونسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر