بقلم/ فيصل مكرم*
▪︎منذ فجر الأحد توقفت تقريبًا عمليات البحث عن ناجين من كارثة الزلزال الذي ضرب مناطق في تركيا وسوريا قبل نحو تسعة أيام والذي لم يكن كأي زلزال قبله، ونرجو من الله ألا يكون هناك زلزال بعده في أي مكان على هذه المعمورة، حيث باتت تقتصر مهام فرق الإغاثة على رفع حطام آلاف المباني والبحث عن القتلى، وخاصة في المناطق السورية التي ضربها الزلزال والتي افتقدت عمليات الإغاثة والمُساعدات الإنسانية بحجة أنهما مناطق حرب أو مناطق مُحاصرة ما دفع بالمسؤولين الأمميين إلى الإعلان صراحة بأن العالم خذل الشعب السوري في محنته لعدم تلقيه المُساعدات الإغاثية والمؤونات الطبية والغذائية واللوجستية لإنقاذ آلاف الأرواح التي لم يكتب لها النجاة، لقد كان المشهد مُحزنًا وكارثيًا في المناطق التي ضربها الزلزال في سوريا وتركيا فكم من أب مكلوم وكم من أم ثكلى خلفت الكارثة وكم من أطفال أصبحوا يتامى بلا عائل ولا راعٍ، وكم من جرحى خلف هذا الزلزال وكم من مفقودين لا يزال مصيرهم في علم الغيب، وكم هي الأسر التي فقدت المأوى والأقارب والجيران والذكريات وانقلبت حياة الملايين رأسًا على عقب؟!.
▪︎إن مشاهد الدمار وأرقام الضحايا والمفقودين التي خلفها الزلزال في تركيا وسوريا أحزنت كل البشرية في أصقاع الأرض، وتابعنا الكثير من عمليات إنقاذ الضحايا، وكلها مشاهد مُحزنة ومُرعبة ومؤلمة، إذ القليل منها كانت تبعث على الأمل بين الفينة والأخرى، فهذا طفل لم يتجاوز العام يخرج ضاحكًا ويضرب بيديه الصغيرتين على وجوه مُنقذيه وكأنه يُعاتبهم لماذا تأخرتم، فلي عائلة خلفي ما زالت تحت الركام؟، ومُسن سوري يظهر في أبهى مشهد للدهشة والفرحة الإنسانية حين علم أن ولده وبقية عائلته من الناجين، وأسرت الطفلة «شام» قلوب من تابع عملية إخراجها من تحت الركام تارة كانت تغني للتغلب على الخوف، وتارة توجه مُنقذيها كيف يمكنهم سحبها من تحت ركام منزل عائلتها وإنقاذها بسلام، وفي مشاهد مؤثرة تمكن رجال الإنقاذ من انتشال الطفلة «عائشة» في قهرمان مرعش التركية بعد أن ظلت حبيسة تحت الركام لستة أيام، أما آية فقد وُلدت يتيمة لحظة حدوث الكارثة وصمدت ٩٠ ساعة وهي مشدودة إلى الحبل السري لوالدتها لتموت الأم وتنجو آية.
▪︎كل تلك المشاهد المُحزنة والمُفجعة كأني بها لوحات سريالية قاتمة تمر من أمامنا مرارًا تُعبِّر عن المدى اللا محدود لقدرة الله وتسليم المخلوق بعظمة الخالق عز وجل، فالجوائح والكوارث الطبيعية لا تأتي بموعد مُسبق وإنما تأتي بغتةً دون سابق إنذار، وهذه الكارثة حصدت عشرات الآلاف من الضحايا والمفقودين في سوريا وتركيا، ولأن الأخيرة دولة مُتقدمة وتمتلك من الإمكانات التي تُمكنها من إنقاذ الضحايا وإيواء المنكوبين في مناطقها المُتضررة وتصل إليها المُساعدات من كل دول العالم دون عوائق، إلا أن الوضع في سوريا كان مُختلفًا تمامًا ويبعث على الحزن، لأن المُساعدات إلى سوريا لم ترتقِ إلى أدنى مستويات الاستجابة الإنسانية الطارئة والاعتيادية، ما تسبب في مُضاعفة المأساة الإنسانية التي خلفها الزلزال سواء في المناطق التي تخضع لدمشق أو تلك التي تُسيطر عليها فصائل المعارضة في الشمال، وكأن العالم الذي يتغنى بالقيم والمثل الإنسانية وجد في الوضع المُعقد في سوريا مُبررًا للتخلي عن إنسانيته وعدم إرسال المُساعدات الإغاثية في الوقت المُناسب من أجل تقليل الخسائر البشرية، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناجين والجرحى في هذا البلد العربي الذي دمرته الحرب سلفًا، ومن كتبت لهم النجاة باتوا يحلمون بالحصول على خيمة تؤويهم، ومن هم تحت الأنقاض يواجهون مصيرهم المجهول وربما تُوفي آلاف الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، لأن فرق الإنقاذ لم تصل إليهم في الوقت المُناسب، والمعابر لم تفتح، والعالم يتجاهل حجم المأساة في هذا البلد العربي المُنهك بالحرب والمُدمَّر بالزلزال.
▪︎الأخبار المُتوالية من سوريا وتركيا تتحدث عن مأساة إنسانية بالغة الخطورة خلال ما بعد الكارثة وانتهاء عمليات البحث عن الضحايا وتتمثل في مناطق الكارثة وخاصة في سوريا التي تفتقر للإمكانات المطلوبة، لأن فرق الإنقاذ والإغاثة لم تصل إلى الكثير من المباني التي دمرها الزلزال وتهدمت على قاطنيها، ولعل التحدي الأكبر أمام تركيا وسوريا يتمثل في تقديم الرعاية الطبية وأماكن الإيواء والتعرف على هُوية القتلى ودفنهم، وتوفير المياه الصالحة للشرب، ومُكافحة الأوبئة التي قد تفتك بسكان المناطق المنكوبة ومن ثم إعادة الإعمار، وهذه التحديات لما بعد الكارثة لا يمكن للسوريين مواجهتها بإمكاناتهم الضئيلة والمحدودة والعتيقة وإنما تتطلب استجابة إنسانية حقيقية من المُجتمع الدولي والإنساني لجهة تحقيق الاستجابة الإنسانية في سوريا بكل مناطقها المنكوبة لترقى إلى المستوى الإنساني والأخلاقي والأخوي المُلِّح.
fmukaram@gmail.com
@fmukaram
نقلا عن جريدة الراية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر