د. حامد أبو العز*
في محاولتها لاستمرار حرب الإبادة الجماعية اضد المدنيين في غزة، يبقى الهدف الرئيسي لإسرائيل على جبهة جنوب لبنان يتلخص في تحييد حزب الله، الخصم اللدود الدائم ومحاولة الاستفراد بالشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة الفلسطينية. لقد تطورت الاستراتيجية الإسرائيلية في جبهة جنوب لبنان، حيث أدركت أن احتمالات الانتصار في حرب مفتوحة ضد حزب الله ضئيلة للغاية. وقد أدى هذا الاعتراف إلى التحول نحو استراتيجية تتمحور حول عمليات الاغتيال المستمرة التي تهدف إلى تخويف حزب الله. وإلى جانب هذه العمليات السرية، تمارس إسرائيل ضغوطا دبلوماسية كبيرة من خلال حلفائها التقليديين، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، في محاولة لإبعاد حزب الله عن حدودها.
لكن هذه الاستراتيجية تتجاهل جانباً أساسياً من الصراع. وهو أن قادة حزب الله وفصائل المقاومة الأخرى اختاروا طريقهم بالتزام عميق بالشهادة. وهذا التفاني يجعل أي محاولات لردعهم من خلال الترهيب أو الضغط الدبلوماسي غير فعالة إلى حد كبير. وبالتالي فإن التحليل الإسرائيلي لموقف حزب الله ناقص ولا يفي بالغرض من خلال التقليل من أهمية التصميم والحماسة للدفاع عن الهدف المقدس الأسمى وهو تحرير فلسطين لدى قادة المقاومة في جميع الساحات.
قد يقدم النهج الإسرائيلي الحالي مزايا تكتيكية قصيرة المدى، لكنه يفشل في معالجة الدوافع الأساسية الأعمق لخصومهم. إن قادة حزب الله ومقاتليه متجذرون بعمق في نظام عقائدي يكرّم الاستشهاد والمقاومة. وطالما استمر هذا الالتزام الأيديولوجي، فإن محاولات تحييد حزب الله من خلال التخويف أو الضغط الخارجي من المرجح أن تذهب سدى.
ويتفاقم مأزق إسرائيل أكثر بسبب الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة. وتظل الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة عاملا حاسما يغذي المقاومة ضد الجرائم الإسرائيلية. إن الدمار والمعاناة التي يعاني منها سكان غزة تثير مشاعر قوية وتدعم حركات المقاومة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك حزب الله للاستمرار في نهجه المتصاعد ضد إسرائيل.
ولكي تتمكن إسرائيل من تفادي نتائج الخسائر الفادحة التي تتعرض لها في قطاع غزة وفي جنوب لبنان وفي البحر الأحمر يجب أن تتجاوز عملية إعادة تقييمهم هذه الاعتبارات التكتيكية المباشرة وأن تعالج القضايا النظامية الأوسع التي تديم دائرة العنف ضد شعب غزة. ومن الأمور المركزية في إعادة التقييم هذه الاعتراف بأن الحلول العسكرية فشلت في كسر إرادة الشعوب التي تسعى للتخلص من الاحتلال. ويبقى أمام هذا العدو حل واحد لا غير وهو وقف الحرب على غزة بدلاً من الانخراط في حرب جديدة قد تكون الأخيرة له.
وفي الأيام الأخيرة، شهد جنوب لبنان تصعيدا كبيرا في الأعمال الانتقامية بعد اغتيال القيادي البارز في حزب الله الشهيد طالب عبد الله. وقد دفع هذا الحدث الحاسم حزب الله إلى نشر قوة نيران كبيرة، مما يشير إلى رسالة واضحة وحازمة مفادها أنّ حزب الله على استعداد تام لمواجهة أي تصعيد جديد قد تفكر فيه إسرائيل. لا تزال المواجهات المستمرة بين حزب الله والقوات الإسرائيلية ضمن إطار مألوف من التصعيد المدروس، لكن التحول الجديد الملحوظ مدفوع بديناميكيات إسرائيلية داخلية. حيث تدفع هذه الديناميكيات الحكومة العدوانية بالفعل نحو استراتيجيات استهداف أوسع في لبنان، بما في ذلك التركيز المتزايد على القادة رفيعي المستوى وزيادة وتيرة استهداف المدنيين على غرار غزة، وحتى ذهب بعضهم إلى حث الجيش الإسرائيلي على استهداف بيروت نفسها.
ويبدو أن القيادة الإسرائيلية المتهورة، التي تدعمها اندفاعة داخلية، تعتقد أن تصعيد الاشتباكات ودائرة العنف لن يتصاعد إلى حرب شاملة مع حزب الله. وقد شجعهم هذا الاعتقاد على توسيع عملياتهم، إلا أن رد حزب الله كان سريعاً وحاسماً. وقد كثفت حركة المقاومة أنشطتها، ليس فقط كرد فعل على الاستفزازات الإسرائيلية، بل لتأكيد استعدادها لصراع شامل ومفتوح. وإدراكاً منها لاحتمال تصاعد هذا الوضع إلى حرب أوسع نطاقاً، تدخلت إدارة بايدن بإرسال مبعوث خاص عاموس هوشستين إلى المنطقة، سعياً لمنع تصعيد لا يمكن السيطرة عليه. حيث تدرك إدارة بايدن بأن فتح جبهتين مع فصائل لا تعرف الهزيمة أو التراجع هو الكابوس الذي حاولت الولايات المتحدة تفاديه عبر الشهور الماضية.
ويبقى السؤال هو كيف يستعد حزب الله استراتيجياً لهذه المواجهة؟
تكييف التكتيكات العسكرية: تطورت مناورات حزب الله العسكرية لتقويض الاستراتيجيات الإسرائيلية ومواجهتها. لقد أظهرت المقاومة قدرة ملحوظة على التكيف في الحفاظ على الفعالية التشغيلية على الرغم من خسائر القيادة. وكان هذا واضحاً في الموجة الأخيرة من العمليات، حيث لم يكتف حزب الله بتكثيف ضرباته ضد المنشآت العسكرية والأمنية الإسرائيلية عبر الجبهة الشرقية، بل أظهر أيضاً استعداده لغزو بري محتمل.
وأظهرت عملية كبيرة استهدفت موقع الراهب هذه القدرة على التكيف. وقام حزب الله بنشر مدافع رشاشة من العيار الثقيل مثبتة على مركبات، وقصف الموقع بقذائف هاون خاصة، وأظهر قدرة على إلحاق أضرار جسيمة وتعطيل الانتشار العسكري الإسرائيلي. تسلط هذه الإجراءات الضوء على التطور الاستراتيجي لحزب الله واستعداده لمواجهة التوغلات الإسرائيلية بشكل فعال.
الاستخدام التدريجي للترسانة العسكرية: تتضمن استراتيجية حزب الله النشر التدريجي لأسلحته المتطورة لمفاجأة العدو وزعزعة استقراره. وشهدت المواجهات الأخيرة استخدام الطائرات بدون طيار الانتحارية والهجومية ذات الأهداف الدقيقة. والجدير بالذكر أن حزب الله استهدف موقع بياض بليدا وقاعدة خربة معر بأسراب من الطائرات الهجومية بدون طيار، مما حقق تأثيرًا كبيرًا. وتؤكد هذه العمليات اعتماد حزب الله المتزايد على تكنولوجيا الطائرات بدون طيار المتقدمة لتعزيز قدراته التكتيكية.
نشر الصواريخ المتطورة: منذ أوائل عام 2024، استخدم حزب الله صواريخ “الماس-3” الموجهة تلفزيونياً بنجاح ملحوظ. وقد استخدمت هذه الصواريخ لاستهداف المنشآت الإسرائيلية الاستراتيجية، بما في ذلك قباب الرادار وقاذفات صواريخ القبة الحديدية. على سبيل المثال، شهدت مستوطنة راموت نفتالي الاستهداف الناجح لقاذفة القبة الحديدية، مما يوضح قدرة حزب الله على تعطيل البنية التحتية الدفاعية لإسرائيل.
كما تكثف القصف الصاروخي، حيث يستهدف حزب الله بشكل متكرر مناطق في شمال فلسطين المحتلة. فخلال الشهر الماضي، شهدت مستوطنات مثل كريات شمونة وبيت هليل ضربات صاروخية كبيرة، مما أكد قدرة حزب الله على تحمل ضغوط عسكرية طويلة الأمد وموجهة.
الدعم المستمر من إيران: يظل دعم إيران الثابت حجر الزاوية في صمود حزب الله. وعلى الرغم من التكهنات الغربية بأن تغيير القيادة في إيران قد يغير الدعم الموجه إلى حزب الله أو الفصائل الفلسطينية، إلا أن العوامل التاريخية والأيديولوجية تشير إلى خلاف ذلك. منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، كان التزام إيران بالقضية الفلسطينية ودعمها لحزب الله ثابتاً. ويتجاوز هذا الدعم الإدارات السياسية وهو متأصل بعمق في الأيديولوجية الثورية التي تنظر إلى النضال ضد إسرائيل كمبدأ أساسي. وتنظر القيادة الإيرانية إلى النضال الفلسطيني ونضال جنوب لبنان باعتباره جزءا لا يتجزأ من مقاومة أوسع ضد القمع والظلم، وهي قيم أساسية للروح والهوية الثورية.
ويضمن البعد الاستراتيجي لدعم إيران لفلسطين أن هذا الالتزام لا يرتبط بفترة ولاية أي إدارة محددة، بل هو بدلاً من ذلك سمة ثابتة لسياسة إيران الخارجية. إن الطبيعة الدائمة لهذا الدعم متجذرة في السرد الثوري الذي يصور تحرير فلسطين كهدف ثوري أصيل وغير قابل للتفاوض. وقد تم تعزيز هذا المنظور من قبل الحكومات الإيرانية المتعاقبة، حيث كانت كل منها تتمسك بهذا الموقف الأيديولوجي وغالباً ما تعمل على تكثيفه. ويعتبر هذا الدعم الدائم أمراً حاسماً بالنسبة للمواجهة المستمرة بين حزب الله وإسرائيل وبين فصائل المقاومة الفلسطينية والكيان المحتل.
ختاماً، إن الوضع الحالي في جنوب لبنان يشكل شهادة على جاهزية حزب الله الاستراتيجية وقدرته على الصمود في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتصاعد. فمن خلال التكتيكات العسكرية التكيفية، والنشر التدريجي للأسلحة المتقدمة، والدعم المستمر من الحلفاء، وضع حزب الله نفسه كقوة هائلة مستعدة لمواجهة أي تصعيد. وإذا ما قررت إسرائيل التوجه نحو مواجهة مفتوحة فهي تتجاهل عاملاً حاسماً ومهماً هو العزيمة التي لا تتزعزع لدى قادة حزب الله، الذين تدفعهم الرغبة في الاستشهاد. وهذا الالتزام العميق يجعل تكتيكات الترهيب والمواجهة غير فعالة. وهذا بالضبط ما سيدفع إلى هزيمة إسرائيل في جبهتين مختلفتين هما غزة وجنوب لبنان. ومن يدري قد تكون هذه المواجهة الأخيرة لإسرائيل!!
*كاتب فلسطيني وباحث السياسة العامة والفلسفة السياسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر