د. هاني الروسان*
لا شك أن ما أقدم عليه الرئيس ترامب من خلال فلسفة صنع السلام عبر القوة في عدد من مناطق العالم، وما قام به في فنزويلا ويهدد بتكراره في كولومبيا وكوبا وغرينلاند وبنما، يفرض علينا قراءة سياساته في مطلع عام 2026 بتجاوز النقاش السائد حول نوايا المواجهة العسكرية والانخراط في تحليل أعمق للمنهج الذي يحكم هذه السياسات، ولا سيما علاقتها بهياكل النظام الدولي القائمة. فالسؤال المطروح لم يعد ما إذا كان الرئيس الأمريكي يتهيأ لحرب كبرى، بل ما إذا كان يعمل، بصورة منهجية، على إضعاف أو تعطيل كل الأدوات التي يمكن أن تُستخدم لاحقاً للاعتراض على سياساته أو كبح اندفاعه.
في هذا السياق، تكتسب قراراته الأخيرة، وعلى رأسها وقف تمويل نحو ستين منظمة ومؤسسة دولية، دلالة تتجاوز بعدها المالي أو الإداري لتكشف عن استراتيجية متكاملة لتفريغ النظام الدولي من وظيفته الردعية والاعتراضية. فهذا القرار لا يُفهم باعتباره خطوة تقشفية أو إعادة ترتيب للأولويات، بل بوصفه حلقة متقدمة في مسار تحويل المؤسسات الدولية من فضاءات للفعل والاعتراض إلى هياكل شكلية بلا قدرة تنفيذية أو تأثير سياسي. فحين تُحرم هذه المؤسسات من التمويل الأمريكي، وهي التي يقوم جزء كبير من فاعليتها على هذا التمويل، فإنها لا تُشلّ مالياً فحسب، بل تُجرّد أيضًا من القدرة على المبادرة، إنتاج التقارير، فرض الأجندات، وحتى تأخير القرارات الأمريكية أو إحراجها.
بهذا المعنى، لا تسعى إدارة ترامب إلى مواجهة هذه المؤسسات أو الانسحاب منها بالكامل، بل إلى إبقائها قائمة شكلياً، فارغة المضمون، وغير قادرة على لعب دور الوسيط أو الرقيب. وهذا السلوك ينسجم مع نمط أوسع يسعى إلى تفكيك البيئة المؤسسية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لضبط استخدام القوة، وخاصة الأمريكية قبل غيرها. فبدلاً من الدخول في صدام قانوني أو سياسي مع الأمم المتحدة أو وكالاتها، يتم تعطيل قدرتها على العمل وتحويلها إلى كيانات بطيئة، عاجزة، فاقدة لمواكبة الزمن السياسي، حتى يصير الاعتراض الدولي متأخراً أو عاجزًا عن التأثير.
ما يضاعف هذا الفراغ هو برودة ردود الفعل الروسية والصينية وتريث أوروبا، ما يعكس أن القوى التقليدية التي كانت تضبط التوازن الدولي عاجزة عن مجاراة سرعة القرار الأمريكي أو تحمل تكلفة الاعتراض عليه، تاركة ترامب منفردًا في فرض خياراته على المسرح الدولي. وفي هذا الإطار، تتكامل قرارات وقف التمويل مع منطق فرض الأمر الواقع عبر الصدمة الذي يميز الفعل السياسي لترامب، إذ يخلق الفراغ في المرجعيات قبل أن يُسمح للاعتراض بالتشكل، فلا يكون ثمة جهاز مؤسسي قادر على تحويل الأسئلة حول الشرعية أو القانون الدولي أو التبعات الإنسانية إلى ضغط فعلي.
هذا التفكيك المنهجي ينعكس مباشرة على طبيعة الردع الدولي. فالنظام الذي يفقد مؤسساته الرقابية والوسيطية يصبح نظامًا قائماً على القوة العارية، لا على التوازن، وفي مثل هذا النظام، لا تكون الحرب نتيجة قرار مدروس بقدر ما تكون احتمالاً بنيوياً ناتجاً عن غياب آليات الاحتواء. فحين تُلغى القواعد دون أن تُستبدل بقواعد أخرى، وحين يُفرغ القانون الدولي من أدواته التنفيذية، تصبح الأزمات أكثر عرضة للتحول السريع إلى صدامات مفتوحة، لأن لا أحد يملك القدرة أو الشرعية للتدخل في الوقت المناسب.
وهنا يظهر الصمت الدولي إزاء هذه السياسات، فالدول، حتى تلك المتضررة من السلوك الأمريكي، تدرك أن المؤسسات التي كانت تُستخدم تاريخياً لفرملة الاندفاع الأمريكي لم تعد صالحة لهذا الدور. ومع وقف تمويل عشرات المنظمات الدولية، تتأكد هذه الدول أن الرهان على “المجتمع الدولي” بات خاسراً، وأن الاعتراض العلني قد يترتب عليه ثمن اقتصادي أو أمني أكبر من مردوده السياسي، فيتحول الصمت من خيار تكتيكي إلى ضرورة وجودية.
وفي الشرق الأوسط تحديدًا، تتضاعف خطورة مخرجات مثل هذا المسار. فغياب المؤسسات الدولية الفاعلة، بالتوازي مع الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري، يترك المنطقة مكشوفة أمام إدارة أزمات قسرية بلا أي أفق تسوية مستدامة. وعندما تُدار النزاعات خارج أي إطار دولي ضابط، يصبح التصعيد خيارًا سهلاً، بل شبه تلقائي، لأن كلفة كبحه لم تعد موزعة، بل تقع على عاتق أطراف منهكة وغير قادرة على تحمّلها.
وعليه، فإن إدراج قرار وقف تمويل عشرات المنظمات والمؤسسات الدولية في تحليل سياسات ترامب يغيّر طبيعة الإجابة عن سؤال المواجهة العسكرية. فنحن لا نواجه رئيسًا يسعى مباشرة إلى الحرب، بل رئيسًا يعمل على تفكيك كل البنى التي كانت تجعل الحرب خيارًا مكلفًا أو قابلاً للتفادي. فالخطر لا يكمن في إعلان نوايا عدوانية، بل في هندسة عالم بلا مؤسسات قادرة على قول “لا”، وبلا آليات قادرة على احتواء الخطأ أو سوء التقدير. ففي مثل هذا العالم، تصبح المواجهة المدمّرة احتمالًا بنيويًا، لا سيناريو افتراضي، ليس لأن ترامب يريدها، بل لأن النظام الذي يعيده تشكيله يجعل منعها أكثر صعوبة من وقوعها.
*كاتب واكاديمي تونسي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر