الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / ماذا بعد الصدام العسكري الكبير؟

ماذا بعد الصدام العسكري الكبير؟

 

د. بلال اللقيس*
هي اللحظة الأخطر في تاريخ المواجهة، نموذج الهيمنة الغربية يعلنها صراحة استحالة التعايش مع النموذج المقاوم حتى لو تعايشاً صراعي أو سلبياً كما مضى. بالنسبة اليهم ان استلحاق الهيمنة المتراجعة لإعادة إنتاجها يتوقف على مصير هذه المواجهة. فشرعية نظام الهيمنة الدولية تلاشت، ناهيك عن مشروعيته، ولم يبقَ أمامه إلا نشر الفوضى لإخضاع عدوه وتفجير الكيانات كما نرى.
لكن المهمة امامه لا تزال صعبه فالمقاومة في المنطقة، وربما العالم، لم تبلغ هذا المستوى التاريخي من الوعي والنضج والرشد وإرادة الصمود والحافزية وروح التضحية وشجاعة اخذ العبرة والتعلّم كما هي اليوم . تعيش حنقا شعبيا غير منفعل مع رغبة كبيرة بالانتقام التاريخيّ من منظومة الهيمنة العالمية، وبالذات الأميركية – الصهيونية.فنحن على مفترق تاريخي ، اي ان الصراع لم يبلغ في يوما هذا المستوى من الانكشاف والوضوح، فكل أمر وكل اصطفاف لجهة في عالمنا صار ببيّنة وعن تصميم . لم تعد القسمة على حدود الجغرافيا أو الاقتصاد، فقط، ولا المصلحة السياسية فقط، بل على كل شيء، حتى الهويات والكرامة الإنسانية والحق في العيش الحر . لم نعد امام انقسام كالحرب الباردة، ولا بين أقطاب متعددة كالقرن التاسع عشر، اختلفت القسمة اختلافاً جوهريا في مضمونها وعنوانها واصطفافاتها. هي قسمة حضارية شاملة بين الطغيان والعدالة ، قسمة بين التسليم لغرور القوة ووهمها أو لأصالة الحق والكرامة والحق في التحرّر. إذاً، عالم اليوم يمرّ في أصعب وأوضح منعطف في حركة التاريخ.
لكن رغم ما يميز هذه المرحلة مما ذكرنا وغيره الكثير، فمن المؤسف انه لم تصل كثير من القوى المتضررة والمستاءة من نظام الهيمنة الأميركي إلى حد القبول بتقاسم فاتورة أعباء وكلفة التصدي، فلا زال العبء الأكبر وربما الأوحد على جبهة المقاومة وشعوبها في حين أنّ الآخرين يبرّرون أو يتهرّبون من الكلفة وبعضهم يتذاكى حين يستغلّ احتدام الصراع بين خط المقاومة والنظام الغربي ليوسّع نفوذه الإقليمي أو الدولي أو ليملأ الفراغ في ساحات النزال عندما لا تحسم الجولات .
ومع ذلك، تبقى مصلحة الحد الادنى المشتركة تجمع عددا لا باس به في هذه المرحلة للحد من الإطباق الإمبراطوري الأميركي أو لبتره إن امكن . والسبب بسيط ايضا ؛ انّ أمريكا كنظام ليست إلا منظور أحادي. وإن ما يحكى اليوم عن انعزالية قومية تمارسها إدارة ترامب ليست في أحسن الأحوال أكثر من مرحلة انتقالية تفرضها الوقائع والإكراهات العالمية والداخلية للعودة مجدداً إلى الأحادية والتحكم العالمي. النظام الأميركي الإمبراطوري لا يقبل، بطبيعته، أي آخر كندّ ولا شريك.
يساعد على الحاجة إلى التقاطعات أن بناء جبهة المقاومة، أي نواة الحال العالمية للمقاومة، عمقه هي الجمهورية الإسلامية في إيران، والأخيرة هي البوابة الجيوستراتيجية نحو الشرق. لذلك، فالنواة ضرورة للشرق من أجل التوازن، وأميركا التي افترضت صراعاً حضارياً شاملاً مع الشرق والصين ( بحسب استراتيجية الامن القومي الأخيرة ) لن تتمكن من ذلك دون إنهاء صراعها مع جبهة المقاومة وحسمه لصالحها، وهو ما لم يحصل إلى الآن منذ خمسة عقود تقريباً. فموقع وتأثير جبهة المقاومة في المنطقة لا يمكن تجاوزه في أي بحث مستقبلي لتوزيع القوة في العالم، وهو ما تدركه الصين جيداً قبل غيرها.

بناءا لذلك فإنّ اللحظة لا يجب ان تكون للمناورة، لا للصين ولا للدول الإسلامية والعربية. التكتيك الآن صار فعلا استراتيجياً وربما مصيرياً. فهل سيعيد من يفكر بوراثة الفراغ المحتمل( الناتج عن الصدام الكبير ) عوضاً عن دعم جبهة المقاومة وتحمل التبعات معها ، هل سيعيدوا النظر ؟

نامل ذلك لكن لا نعول عليه بل فقط على انفسنا ، بالتاكيد أن عدّة وعديد جبهة المقاومة قليل ومتواضع مقارنة بأعدائها وهذا صحيح ، إلا أنهم كثيرون ومؤثرون وفاعلون بإيمانهم وحقهم وعمق انتمائهم ووحدة كلمتهم ونموذج قيادتهم وصدق خطابهم وثباتهم وإبداعهم في الافادة من مقدار ما يمتلكون . التجربة تقول انهم منيعون ، لم تدفعهم الضغوط، التي لم يواجهها شعب ودولة في التاريخ الحديث، للبحث عن ثمن مقابل المقاومة أو المساومة على المبادئ الأولى. بكلام آخر، إن بنية المقاومة التحتية متينة ومنيعة بل انها تعززت وامتدت واتسعت كخطاب -رغم ما خسرته في بنيتها الفوقية-، وهذا هو الأهم.
في هذه المواجهة التاريخية نحن أمام سيناريوهات عدة؛ إمّا تنازل أميركي في مسألة المنطقة ويعني ذلك تقدماً تلقائياً لجبهة المقاومة وإعادة الاعتراف بها مرغما كمحور للمنطقة. هذا احتمال ضعيف جداً اليوم إن لم نقل مستحيلاً، لا سيما مع وجود ترامب-نتنياهو. أو مواجهة حاسمة وسريعة متصاعدة في طرائقها ومكثفة زمنياً تضع فيها أميركا وإسرائيل ثقلهما بحيث لا يخرج الصراع عن حدود الإقليم . لكن هذا النموذج تمّت تجربته ولم ينجح وقد يتحول إلى استنزاف متبادل، وهذا ما تهرب منه إسرائيل ويخشاه ترامب وقاعدته الشعبية التي ملّت وسئمت حروب غرب آسيا.
وإمّا التدحرج إلى حرب عالمية، عندما يلمس خصما أميركا الدوليين، الصين وروسيا، أنّ مستقبلهما كأقطاب في العالم الجديد مهدد – خصوصاً الصين – وهذا ما سيجرّ المشهد إلى تدحرج يفضي إلى مواجهة عالمية وليس إقليمية فحسب.

لذلك، فإنّ ما يجب إدراكه جيدا اليوم هو ان خط المقاومة هو خط الدفاع الأهم والأخير عن الجميع دون استثناء، دولاً وشعوباً وأحراراً، فهل سيرتقي الكل إلى هذه اللحظة الفارقة في التاريخ.

أميركا مترددة ومتخوفة وهي تخشى الانزلاق المفتوح وتعاني من اضطراب داخلي مركب ، ولقد فشلت جولتها الأخيرة مع إيران. وإسرائيل في مأزق، إذ لا تزال بعيدة عن أهدافها في غزة ولبنان واليمن. كما أنّ الشعب الأميركي متخوّف من جرّ إسرائيل لإدارة ترامب لحرب مفتوحة في المنطقة بعد أن تبيّن لإسرائيل استحالة تحقيقها لأهدافها مهما طال الزمن.
بمعزل عن أي سيناريو ستسلكه أميركا قريباً وردود الفعل المحضرة عليه، فالأكيد أن جبهة المقاومة تكيّفت مع متطلبات المرحلة وأدواتها والتعاطي معها وربما تكون أمام استراتيجية مختلفة غير الصبر الاستراتيجي.

العالم على مفترق طريق تاريخي يتداخل فيه تحول النظام الدولي مع الانتقال الحضاري. مستقبله مشروط بصمود جبهة المقاومة وإسقاطها لأهداف أميركا. لأول مرة هذه المنطقة تكون في موقع متقدّم في المواجهة العالمية با هي لبّه وليست جزءاً من محور خارجي كما حال القرون الأخيرة او الحرب العالمية الأولى (دول المحور). لأول مرة نحن حيثية وكلمة مستقلة تتعاون مع خصوم أميركا وليست متعلقة بهم. لأول مرة الصفوف والاصطفافات والعناوين مختلفة وتتجاوز المصالح وحسابات النفوذ. لأول مرة دوافع الصراع عند أعدائنا متداخلة ومتناقضة بينما حالنا مختلفة.

لذلك، من الممكن القول إنه بمقدار التهديد الوجودي القائم فهناك فرصة تاريخية يمكن أن تصنعها شعوب المقاومة إذا نجحت في الصمود واذا فكر المتضررون من الهيمنة الأمريكية بطريقة مختلفة ولو لمرة واحدة . هل ستنظر شعوبنا والأنظمة كيف يعززون أسهمهم في هذا الصراع، بدل الاستغراق في الطعن من الخلف أو المنافسة على الزعامة ومن سيقود! ليس المهم اليوم من سيسقط مشروع الكيان الصهيوني كتعبير عن العالم الجديد المنتظر وموقع المستضعفين فيه المهم ان نسقطه . هل سنترك خلافاتنا وتوجساتنا جانباً ونركز على الوقائع التي تسير بها ادارة الهيمنة الأمريكية ، ولو لمدة، ونتفاهم على «سنوات حرم» نوقف فيها صراعاتنا البينية، ومن بعد ذلك نختلف إن شئنا ونتصارع!
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …