السبت , مارس 7 2026
الرئيسية / اراء / هذه ليست حرباً بسبب السياسة.. بل هي خطة إلهية!

هذه ليست حرباً بسبب السياسة.. بل هي خطة إلهية!

 

حمد حسن التميمي*
بينما يغرق العالم في هندسة الدخان فوق مياه الممرات الدولية، وتتسابق الرادارات لرصد حطام الصواريخ التي تمزق سكون المنطقة، ثمة حقيقة مرة تتوارى خلف غبار المعارك؛ إننا لا نواجه مجرد صراع على النفوذ أو الممرات المائية، بل نواجه اختراقاً لاهوتياً يستهدف شطب الواقع لإحياء الأسطورة. السر الذي بدأ يتكشف وسط صخب الانفجارات، هو ما نقلته منظمة MRFF الأمريكية عن تلقيها أكثر من 200 شكوى من جنود أمريكيين أفادوا فيها بأن قادتهم العسكريين يستخدمون خطاباً مسيحياً متشدداً لتبرير الهجوم على إيران، مؤكدين لجنودهم بعبارات واضحة: هذه ليست مناورة سياسية، بل هي جزء من خطة إلهية منظمة. إن هذا الخطاب يعيد صياغة مفهوم الحرب في القرن الحادي والعشرين؛ حيث يتحدث الجنود عن حالة من النشوة غير المقيدة لدى بعض القادة الذين يرون في هذا الصدام علامة لا يمكن إنكارها على اقتراب نهاية الزمان وفقاً لسفر الرؤيا. هذا التوجه الخطير يتقاطع بوضوح مع عقيدة وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث”، المعروف بتبنيه للقومية المسيحية، والذي يحمل على جسده أوشاماً تلخص حكاية هذا الصدام؛ من شعار “إرادة الإله” المرتبط بالحروب الصليبية، وصولاً إلى كلمة “كافر” المكتوبة بالعربية على ذراعه. إننا اليوم أمام مشهد يرى فيه اليمين الإنجيلي في واشنطن أن دونالد ترامب هو المختار الذي يمتلك شجاعة تطبيق هذه الإرادة فعلياً، لا قولاً فحسب، محولاً جغرافيتنا إلى مسرح لمسرحية دموية تُدار بشعارات الصك الأصلي المستمد من سفر التكوين.
إن خطورة هذا الطرح تكمن في تغيير طريقة سرد الحروب؛ فالحرب السياسية تنتهي عادة باتفاق، أما الحرب المقدسة فتبحث عن خلاص وإلغاء للآخر، لأن من يقاتل باسم السماء نادراً ما يعترف بحدود الأرض. وفي ظل هذا الضجيج اللاهوتي، يتم تمرير مشاريع تصفية السيادة الوطنية عبر ممرات اقتصادية وتقنية تهدف لجعل إسرائيل قلب المنطقة النابض، بينما يظل الآخرون غارقين في دخان حروب بالوكالة تستنزف ميزانياتهم تحت مسمى القدر المحتوم. إنهم يسعون لتحويل الشعوب من فاعلين في التاريخ إلى مجرد حطب لنار هرمجدون التي هندستها مختبرات اليمين المتطرف، ليضمنوا التبعية الكاملة في عصر الارتهان التقني الذي يملك فيه الخصم شفرة بقائنا أو فنائنا بضغطة زر. القادم من الأيام لا يحترم الضعفاء الذين يسلمون عقولهم لنبوءات مستوردة؛ فنحن بصدد ولادة نظام عالمي جديد لا يعترف بالمناطق الرمادية، سيد المنطقة فيه هو من يملك استقلال القرار الذي يمنع تحويل أرضه إلى مختبر تجارب لأوهام العودة والخلاص، ومن ينجح في حماية هويته من الاختراق الرقمي والعقائدي.

ختاماً، إن كرامة الأرض التي نمشي عليها لا تُصان بانتظار مخلصين موشومين بشعارات الكراهية، بل تبدأ من طهر الوعي داخل جدران بيوتنا. إن معركتنا الحقيقية اليوم ليست مع أشباح نهاية الزمان التي يروجون لها في تقاريرهم العسكرية، بل هي مع الخدر الذي يقنعك بأن مصيرك مكتوب بأقلام خصومك. الأرض التي ارتوت بدماء الأجداد تطلب منك يقظة واعية تكسر حالة التنميل الفكري، وتعيد الاعتبار للأسرة واللغة والدين كحصون أخيرة ومقدسة للسيادة. لقد آن الأوان ليعلم من أضاع البوصلة أن للأوطان أسواراً من وعي، وأن المنعة التي بنيناها لن تذروها رياح التهور الديني العابر للقارات؛ فالسيادة هي الحقيقة الوحيدة التي تبقى حين ينجلي غبار هرمجدون الموهومة وتصمت طبول الحرب، ليبقى الحق صامداً، شامخاً، وعصياً على كل من يظن أن تاريخنا هو مجرد مادة لمقامراته المقدسة.
*كاتب قطري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

خارج المكان أينما كُنا ووطنٌ يسكننا!

د.أروى محمد الشاعر* أنا فلسطينية، لكنني حين أقول هذه الجملة لا أقولها وحدي، بل أقولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *