د. حامد أبو العز*
ليست كل الليالي سواء في الحروب. ثمة ليال تمر كخبر عاجل، وثمة ليال تدخل التاريخ بوصفها فاصلا بين مرحلتين. وما جرى في ليلة 11 مارس 2026 لا يبدو، في ميزان السياسة والاستراتيجية، مجرد جولة إضافية من تبادل النار بين خصوم يعرفون كيف يضربون وكيف يتوعدون. ما جرى كان شيئا أكبرهي لحظة انكشاف كبرى. انكشاف لما هو أبعد من الصواريخ نفسها، وأعمق من البيانات العسكرية، وأخطر من الضجيج الإعلامي الذي سبقها وأعقبها. لقد كانت تلك الليلة اختبارا قاسيا للروايات كلها، فسقطت منها روايات، واهتزت أخرى، وبقيت حقيقة واحدة تتقدم إلى الواجهة هي أنّ هذه الحرب لم تعد تسير وفق النص الذي أرادته إسرائيل والولايات المتحدة، بل أخذت تنزلق إلى ميدان أكثر تعقيدا، وأكثر كلفة، وأشد قابلية لقلب الحسابات.
حين أعلن حزب الله عملية العصف المأكول، وتزامن ذلك مع إعلان الحرس الثوري الإيراني تنفيذ الموجة الأربعين من الوعد الصادق 4 بالتعاون مع المقاومة الإسلامية، لم يكن الأمر مجرد تزامن ناري أو تنسيق عملياتي محدود. المعنى الأهم كان سياسيا واستراتيجيا وهو أنّ الجبهات لم تعد متجاورة فحسب، بل بدأت تعمل بمنطق الاتصال. حزب الله أطلق أكثر من 100 صاروخ من لبنان، فيما وصف مسؤول دفاعي إسرائيلي كبير ما جرى بأنه أول هجوم منسق من هذا النوع بين إيران وحزب الله منذ بدء الحرب. هنا تحديدا تكمن دلالة هذه الليلة حيث لم تعد إسرائيل تواجه ضربات منفصلة يمكن تفكيكها في الإعلام كما تُفكك على الخرائط، بل باتت أمام مشهد تتداخل فيه الجبهات، وتتآزر فيه الرسائل، وتتراكم فيه الأثمان.
أخطر ما كشفته تلك الليلة أنها لم تضرب أهدافا في الميدان فحسب، بل ضربت قبل ذلك رواية إسرائيل عن الميدان. فمنذ أشهر، جرى الترويج المكثف لفكرة أن حزب الله قد فقد عموده الفقري، وأن بنيته الصاروخية تعرضت لتدمير منهجي، وأن قدرته على الفعل باتت أقرب إلى بقايا متناثرة منها إلى قوة منظمة. لكن الحروب لا تُقاس بما يقال عنها في المؤتمرات الصحفية، بل بما تقدر عليه القوى تحت النار. وها هنا ظهرت الحقيقة على نحو فادح وهي أنه يمكن أن يتعرض الحزب لضربات موجعة، ويمكن أن يفقد قادة وبنى ومخازن، لكن ذلك شيء، والقدرة على الشلل الكامل شيء آخر. ما جرى في 11 مارس قال بوضوح إن الضربات لم تُنه القدرة، وإن الاستنزاف لم يتحول إلى عجز، وإن ما قيل عن التصفية الكاملة للفاعلية الصاروخية لم يكن، في أفضل الأحوال، إلا مبالغة سياسية، وفي أسوأها وهما مقصودا لتسويق صورة انتصار مبكر.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقا. ما الذي يعنيه أن تتمكن قوة تعرضت لكل هذا الضغط من إطلاق هذا الحجم من النار، وفي هذا التوقيت، وضمن مشهد منسق مع إيران؟ إنه يعني أن الحديث لم يعد عن “البقاء” بالمعنى الدفاعي الضيق، بل عن الاستمرار بوصفه قدرة على إعادة تشكيل المعركة. فالطرف الذي يستطيع أن يحتفظ بقدرته على المبادرة، أو حتى على كسر إيقاع خصمه، ليس طرفا يُقرأ بمنطق الضحية العسكرية، بل بمنطق الفاعل الذي ما زال يملك أوراقا مؤثرة. وحين ينجح حزب الله، بعد كل ما قيل عن تضعضعه، في أن يثبت حضورا ناريا بهذا المستوى، فإن الرسالة لا تتجه إلى تل أبيب وحدها، بل إلى واشنطن أيضا. إن الحرب التي رُسمت على أنها عملية كسر سريع لم تنجز كسرها، وإن الخصم الذي أريد له أن يتحول إلى هامش ما زال قادرا على العودة إلى قلب المشهد وتغييره بشكل كامل.
الأمر لا يتعلق فقط بعدد الصواريخ، بل بالعقل الذي يدير استخدامها. فقد نقلت رويترز قبل هذا التصعيد بيوم واحد أن حزب الله عاد إلى تكتيكات السابقة حيث يعمل عبر وحدات صغيرة، ويقلص بصمته الاتصالية، ويرشد استخدام بعض الأسلحة الحساسة، في تكيّف واضح مع بيئة مراقبة واستهداف كثيفين وهذا يدل على أن الحزب ما زال لديه القدرة على التعلم تحت النار واتخاذ زمام المبادرة وأن الحروب الطويلة لا ينتصر فيها دائما من يملك التفوق الجوي أو القدرة التدميرية الأعلى، بل من ينجح في إدارة الاستنزاف من دون أن يفقد تماسكه الداخلي أو قدرته على تحويل الصمود إلى أداة ضغط.
أما إيران، فإن دلالتها في هذه الليلة لا تختصر في أنها شاركت في ضربة جديدة. ما أرادته طهران بدا أوسع من الرد، وأبعد من استعراض القوة. الرسالة الإيرانية، في جوهرها، هي أن الحرب إذا فُرضت عليها فلن تبقى داخل حدودها، ولن تكون كلفتها محصورة في منشآتها ومدنها فقط، بل ستمتد إلى المجال الإسرائيلي، وإلى حواف الإقليم، وإلى المصالح الأميركية، وإلى الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية. لهذا لم تعد المسألة مجرد تبادل صواريخ؛ بل صارت معركة على تعريف الكلفة نفسها. من يتحمل أطول؟ من يدفع أكثر؟ ومن يكتشف أولا أن الاستمرار في الحرب لم يعد استثمارا في الردع، بل استنزافا للقدرة على الاحتمال؟ تحليلات اليوم التالي تؤكد أن الحرب دخلت مفترقا ترتفع فيه كلفة الاستمرار على واشنطن وحلفائها الإقليميين، لا على طهران وحدها. وهذا بالضبط ما يعطي ليلة 11 مارس وزنها الحقيقي، لقد دفعت الحرب خطوة أخرى نحو منطق الأثمان المفتوحة.
ومن هذه الزاوية تحديدا، تصبح الولايات المتحدة جزءا من المشهد لا مجرد داعم خارجي له. فواشنطن قد تستطيع أن تمنح إسرائيل غطاء النار، لكنها لا تستطيع أن تعفي نفسها من ارتدادات النار. وكلما اتسعت خرائط التهديد نحو الطاقة والملاحة والاقتصاد الإقليمي، ضاقت المسافة بين القرار العسكري الأميركي وبين كلفته السياسية العالمية. ولعل ما قاله دونالد ترامب في 11 مارس عن أن الحرب “ستنتهي قريبا” وأنه لم يبق “عمليا” الكثير مما يمكن استهدافه في إيران، هو محاولة مبكرة لإنتاج سقف سياسي للحرب قبل أن تتضخم فواتيرها أكثر وهو محاولة النزول عن الشجرة. فحين تبدأ واشنطن بالحديث عن قرب النهاية فيما لا تزال الجبهات تشتعل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحسم تحقق، بل يعني أن ثمن الحسم الكامل صار أعلى من القدرة على تحمله.
لكن الخطأ الأكبر سيكون في الذهاب إلى استنتاجات سهلة. عملية العصف المآكول أسقطت وهم الحسم السريع وأعادت الاعتبار إلى حقيقة تجاهلها كثيرون عمدا أو غرورا، وهي أن المنطقة لا تُكسر بخطاب القوة وحده، وأن القوى التي تُعلن نهايتها في الإعلام قد تعود في الميدان لتعيد صياغة السؤال من أوله. إسرائيل دخلت هذه الحرب وهي تريد تثبيت معادلة ردع، لكن ما تكشف الآن هو أن الردع تحقق لكن لصالح المقاومة وإيران.
لهذا، فإن ليلة 11 مارس ليست مجرد ليلة صواريخ. إنها ليلة سقوط رواية إسرائيل وأمريكا وسقطت فيها رواية الحرب القصيرة النظيفة. وسقطت فيها رواية أن الخصم استنفد آخر ما لديه. الذي ظهر، على العكس، هو أن الحرب كلما امتدت كشفت عن طبقات جديدة من القوة الكامنة، وعن هشاشة أكبر في الادعاءات التي سبقتها. وحين تصل الحرب إلى هذه النقطة، فإن معناها يتغير ومن المؤكد بأنها مرحلة جديدة ستقضي على كل ما تدعي إسرائيل وأمريكا من تفوقهما في المنطقة إنها بداية النهاية لنفوذ أمريكا في المنطقة وبانتظار تقويض إسرائيل وعودة الزمن الذهبي للمقاومة في فلسطين وخارجها.
*كاتب وباحث سياسي فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر