اسيا العتروس*
في خضم الحرب الاسرائيلية الامريكية على ايران خرج الرئيس الامريكي دونالد ترامب يهدد معلنا في أكثر من مناسبة بالانسحاب من الحلف الاطلسي منتقدا قادة الحلف بسبب موقفهم المتردد في الانضمام اليه ودعمه في الحرب على ايران و تشكيل قوة لفتح مضيق هرمز, ولم يفوت ترامب الفرصة دون الاستهزاء بشركائه الاوروبيين في الحلف الاطلسي معتبرا أنهم خذلوه عندما احتاج لهم .. تهديدات ترامب المتعددة في كل الاتجاهات لم تستثني منظمة الحلف الاطلسي الدرس الامني لضفتي الاطلسي. وقد ذهب ترامب الى حد وصف “الناتو بأنه نمر من ورق” وفق تصريحات لصحيفة التلغراف البريطانية معتبرا إنه يفكر جدياً في سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي كرد فعل على رفض الحلف الانضمام إلى واشنطن في الهجمات على إيران. ترامب لم يخف أنه لم يكن يوما مقتنعا بالناتو و كرر موقفه أنه كان دوما يعتقد أنه نمر من ورق ..و قد استهدف ترامب بالدرجة الاولى حليفه البريطاني .بدوره اعتبر وزير خارجيته مارك روبيو أنه “إذا كان حلف الناتو يهدف فقط إلى الدفاع عن أوروبا إذا استُهدفت بهجوم، ولكنهم يحرموننا الحقوق الأساسية عندما نحتاج إليها، فهذا ليس ترتيباً جيداً. من الصعب الاستمرار في الانخراط في هذا الحلف”…
عمليا و منذ اللحظة الاولى للهجوم الامريكي الاسرائيلي على ايران نأت العديد من الدول الأوروبية بنفسها عن الصراع و اعتبرت أن هذه الحرب ليست حرب الناتو , ومن ذلك أن الرئيس الفرنسي ماكرون رفض الانسياق الى الحرب وهو ما كلفه انتقادات واهانة و سخرية ترامب منه ومن زوجته ..بدوره اعتبر رئيس الوزراء البريطاني ستارمر ، إن بلاده لن تنجر إلى الصراع “مهما كانت الضغوط وأيا كان مصدرها” وذهبت إسبانيا الى أبعد من ذلك بغلق مجالها الجوي أمام جميع الرحلات الجوية المتعلقة بالضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران…
تهديدات ترامب بالانسحاب من الناتو سابقة للحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران اذ لم يستسغ ترامب معارضة دول الحلف دعوته لضم غرولاند , وشكك في قدرة حلفاء الناتو على المساعدة في الدفاع عن الولايات المتحدة، قائلا “أكبر مخاوفي فيما يتعلق بالناتو هي أننا أنفقنا مبالغ طائلة في الناتو، وأعلم أننا سنأتي لإنقاذهم، لكنني أشكك حقا فيما إذا كانوا سينقذوننا”.
فماذا لو وضع ترامب تهديده قيد التنفيذ , وانسحب من الناتو الذي غالبا ما يوصف بانه الذراع العسكرية لامريكا في مختلف حروبها؟ نعلم جيدا و من خلال تطورات الاحداث أن ترامب يقول الشيء وضده وأنه جدير بوصفه بأنه رئيس كل التناقضات , فهو يمر من الذم الى المدح في رمشة عين , ويتقمص دور رجل السلام ورجل الحرب في نفس اللحظات ويحدث أن يهدد ويتوعد ثم يتراجع ..ولكن هذا لا يعني أنه لا يمضي قدما في تنفيذ تهديداته بل بالعكس فهو ربما يتستر برسائله المهادنة والتظاهر بالتفاوض ثم يشن الحرب دون سابق انذار وهو ما حدث في حرب الاثني عشر يوما على ايران في 2025 , وما يحدث في الحرب التي أعلنها الى جانب ناتنياهو ضد ايران …
صحيح أن ترامب لم يتحدث خلال خطابه الى الامة حول انسحاب بلاده من الناتو وترك المجال مفتوحا على كل السيناريوهات ..و ربما يكون في ذلك أسلوب اضافي لابتزاز شركاءه في الحلف الاطلسي ..
الواقع أنها المرة الاولى التي يصف فيها رئيس أمريكي الناتو الذي تأسس قبل 77 عاماً بأنه “نمر من ورق”، و هوما يمكن ترجمته بأن أوروبا لم تعد الشريك الدفاعي لامريكا ..وأثار ترامب بذلك جدلا مفتوحا حول البند الخامس من ميثاق الناتو الذي ينص على أن “الهجوم على عضو واحد بمثابة الهجوم على كل الدول الاعضاء وتم تفعيل هذا البند بعد هجمات 11 سبتمبر في اجتياح أفغانستان.
وتعيد تهديدات ترامب الى الاذهان انسحاب فرنسا بقيادة الجنرال ديغول من القيادة العسكرية للحلف سنة 1966 احتجاجاً على الهيمنة الأمريكية، لكنه لم يكن انسحابا كاملا حيث احتفظت فرنسا بعضويتها كشريك سياسي, وأدى ذلك الى نقل مقر الحلف من باريس إلى العاصمة البلجيكية بروكسيل قبل أن يعيد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فرنسا للمشاركة العسكرية الكاملة. وكان ديغول رفض ديغول دمج الردع النووي الفرنسي مع قوى الأطلسي ضمانا لاستقلالية الدفاع الفرنسي وخوفا من الانجرار لحروب أمريكا وتم بذلك نقل القواعد العسكرية ونحو 26 ألف من الجنود الأمريكيين خارج فرنسا…هل يتكرر السيناريو في ظل ادارة ترامب؟ وهل يستعد الناتو لطي صفحة من تاريخه وفتح صفحة أخرى بدون الذراع العسكرية الامريكية؟ وهل يقبل ترامب بأن تكون أمريكا خارج مظلة الحلف بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات على انتشار القواعد الامريكية العسكرية في أوروبا؟
حتى هذه المرحلة ومع دخول الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران أسبوعها السادس على التوالي تشير استطلاعات الرأي أن ثلثي الأمريكيين يعتقدون أنه ينبغي للولايات المتحدة أن تعمل على إنهاء مشاركتها في الحرب بإيران سريعا، حتى لوكان ذلك يعني عدم تحقيق الأهداف التي حددتها إدارة الرئيس دونالد ترامب…واعتبر66 بالمئة من المشاركين في استطلاع الرأي، الذي أُجري من الجمعة إلى الأحد، عن هذا الرأي، بينما قال 27 بالمئة إنه ينبغي لأمريكا العمل على تحقيق جميع أهدافها في إيران، حتى لو استمر الصراع لفترة طويلة.
في المقابل يبدو قادة الدول الاوروبية ومع دخول الحرب في اوكرانيا عامها الرابع على التوالي سبل تعزيز الشراكة الامنية للدفاع عن اوروبا وحماية أنفسهم من احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الحلف بما يعكس توسع الشرخ بين أعضاء الحلف الذي يواجه تحديات غير مسبوقة منذ تأسيسه.. و يبدو أن ترامب لم يكن مستعدا لموقف الدول الاوروبية الرافضة الامتثال لمطال في حرب خارج مناطق الناتو ولم يتم استشارة الاعضاء فيها.
وليس من الواضح حتى هذه المرحلة ما يمكن أن ينتهي اليه لقاء ترامب المرتقب مع الامين العام للحلف الاطلسي في واشنطن هذا الاسبوع و الذي يأتي قبل أشهر على قمة الناتو السنوية التي ستعقد هذا العام في تركيا ..و الارجح أن اللقاء لن يكون مجرد لقاء بروتوكولي في غمرة الحرب المستمرة على ايران و تهديدات ترامب باعادة ايران الى العصر الحجري و فتح مضيق هرمز شريان نحو عشرين بالمائة من النفط العالمي ..لا خلاف أن الدول الاوروبي تستشعر الخطر على أمنها و هي ترى في التباس و تناقض الموقف الامريكي في حشد القوة ضد ايران و غض الطرف عن الدعم الروسي لطهران ما يعزز مخاوف القارة العجوز من الدب الروسي .. مهمة الأمين العام للحلف مارك روته خلال لقاءه ترامب ليست هينة وسيتعين على روتيه اقناع ترامب بأن بقاء الحلف رغم الانقسامات أفضل لامن دول ضفتي الاطلس …يدرك ترامب أن اوروبا بحاجة الى قدرات أمريكا الاستخباراتية وخدمات الأقمار الصناعية وأنظمة الإنذار المبكر، التي يصعب على هذه الدول الأوروبية تعويضها في المدى القريب. وهو ما يفسر قبول هذه الدول الاوروبية وانصياعها لزيادة نفقاتها العسكرية من اثنين بالمائة الى خمسة بالمائة نزولا عند ضغط ادارة ترامب وتهديداته المتكررة..
صحيح أنه لا يمكن لترامب قانونا الانسحاب من الناتو بشكل منفرد وهو يحتاج لذلك لموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ, ولكن التجربة أظهرت أن ترامب لا يكترث لهذا الامر وقد ذهب الى اعلان الحرب على ايران دون عودة للكونغرس ..لكن يبقى أن للانتخابات النصفية القادمة حساباتها في حال تمكن الديموقراطيون من السيطرة على المجلسين واتجهوا الى سحب الثقة من ترامب وهي مسألة صعبة ولكنها ليست مستحيلة … خلاصة القول أن الناتو يستعد لطي صفحة من تاريخه و فتح صفحة جديدة بعد سبع وسبعين عاما في ظل تحولات اقليمية ودولية متسارعة وفي عالم لم يسبق أن كان أقرب الى حرب كونية ثالثة و ربما حرب نووية من أي وقت مضى وربما حتى أخطر من أزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سنة 1962عندما كتم العالم أنفاسه على مدى ثلاثة عشرة يوما تحسبا لشبح حرب نووية ..فكيف سيتكيف الناتو مع التطورات الحاشصلة في العالم و في منطقة الشرق الاوسط في خضم الحرب الروسية في أوكرانيا و الحرب الامريكية الاسرائيلية في ايران ..الاكيد أن العالم و النظام العالمي و الشرق الاوسط يتغير و لكن في أي اتجاه ذلك هو السؤال المطروح ..
*كاتبة وصحفية تونسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر