نجاح محمد علي*
لم يعد السؤال اليوم في مضيق هرمز: هل أُغلق أم فُتح؟ بل كيف يُدار هذا الممر الحيوي كأداة ضغط متحركة، تتغير حالتها من ساعة إلى أخرى دون إعلان حاسم. فالمشهد الذي يتكرر منذ أسابيع — فتح يُعلن، ثم إغلاق غير مباشر، فتهدئة مؤقتة تعقبها قفزة في التوتر — لا يعكس تخبطاً، بل يكشف عن نمط مدروس من إدارة الأزمة يتجاوز المفهوم التقليدي للسيطرة البحرية.
ما يجري في المضيق لم يعد ثنائية جامدة بين الإغلاق والفتح، فقد تحول إلى حالة رمادية مركّبة، يصبح فيها المرور ممكناً نظرياً، لكنه محفوف بالمخاطر عملياً. وهذا التحول هو جوهر الاستراتيجية الجديدة: ليس منع السفن من العبور، بل جعل قرار العبور نفسه مكلفاً وخطِراً. وهنا تتحقق الغاية دون إعلان رسمي، وتتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط فعّالة تتجاوز حدودها المباشرة.
في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بـ«فخ التراجع»، وهو العامل الأكثر تأثيراً في استمرار هذا الغموض. فكل من إيران والولايات المتحدة يدرك أن التراجع الكامل يعني خسارة سياسية واضحة. طهران التي تعلن سيطرتها على المضيق لا تستطيع التراجع دون أن يظهر ذلك كخضوع، وواشنطن التي تؤكد التزامها بحرية الملاحة لا يمكنها القبول بأمر واقع يفرضه الطرف الآخر دون أن تهتز صورتها أمام حلفائها.
هذا الفخ ليس جديداً في تأريخ الصراعات الدولية. فقد تكرر في حرب الناقلات بين العراق وإيران خلال الثمانينيات، وفي أزمة الصواريخ الكوبية التي لم تُحل إلا بتفاهمات غير معلنة، وكذلك في الحرب الكورية التي انتهت بهدنة دائمة دون سلام. في كل هذه الحالات، لم يكن الحسم لمن يمتلك القوة الأكبر، بل لمن يستطيع تحمّل كلفة الاستمرار دون أن ينكسر سياسياً أو معنوياً.
لكن ما يميز أزمة مضيق هرمز اليوم هو تداخل السياسة بالقانون وبالواقع الميداني. فمن الناحية القانونية، تستند إيران إلى مفهوم «المرور البريء» وحق الدولة الساحلية في حماية أمنها، لتبرير إجراءاتها في المضيق. بينما تتمسك الولايات المتحدة بمبدأ حرية الملاحة باعتباره ركناً أساسياً في النظام التجاري العالمي، وقبل ذلك بلغة الهيمنة والابتزاز . وبين هذين المنطقين، تتسع مساحة التأويل، ويتحول القانون إلى جزء من الصراع، لا أداة لحسمه.
أما على المستوى الميداني، فقد أعادت الزوارق الإيرانية السريعة تعريف ميزان القوى. هذه الوحدات الصغيرة، التي تُعرف في الأدبيات العسكرية بـ«أسطول البعوض»، لا تهدف إلى مواجهة الأساطيل الكبرى وجهاً لوجه، فهي تجرها إلى حرب استنزاف وإرباك. في ممر ضيق مثل هرمز، لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه واحداً وعشرين ميلاً بحرياً، تصبح هذه الزوارق أداة فعالة لتحويل البحر إلى مساحة غير مستقرة، يصعب السيطرة عليها بالكامل.
وهنا يكمن التحول الأخطر: لم يعد إغلاق المضيق يحتاج إلى قرار رسمي أو إجراء شامل، بل يكفي خلق بيئة خطرة تدفع شركات الشحن إلى التردد، وشركات التأمين إلى رفع تكاليفها، والأسواق إلى الارتباك. وبذلك يتحقق «الإغلاق الفعلي» دون إعلان، ويتحول الحصار من استهداف لدولة بعينها إلى ضغط يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة غير تقليدية. فالقوة البحرية الضخمة لا تُجدي كثيراً في مواجهة تهديدات صغيرة، سريعة، وموزعة على نطاق واسع. لا يمكن تدمير آلاف الزوارق بضربة واحدة، ولا يمكن ضمان أمن كل سفينة تمر في المضيق. وهكذا يتحول الوجود العسكري إلى محاولة لإدارة المخاطر، لا القضاء عليها، في بيئة معقدة تتغير مع كل لحظة توتر.
ومع تصاعد التوتر، يصبح السؤال الحاسم: من سيصمد أكثر؟ بالنسبة لإيران، المسألة تتجاوز الحسابات التكتيكية إلى مستوى الوجود والهيبة، خصوصاً في ظل الضغوط العسكرية والسياسية. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالتحدي يتمثل في الضغوط الداخلية، من أسعار الطاقة إلى الحسابات الانتخابية، إضافة إلى الحفاظ على ثقة الحلفاء في قدرتها على حماية الممرات الدولية.
هذا التوازن في الضغوط هو ما يُبقي المضيق في حالته الراهنة: لا مغلق بالكامل ولا مفتوح بالكامل. فكل خطوة نحو التهدئة تُفسر كتنازل، وكل تصعيد يحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع. لذلك، يُدار المشهد بحذر شديد، عبر رسائل متبادلة، وتصعيد محسوب، وتهدئة مؤقتة، في لعبة معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
المهم أن ما يحدث في مضيق هرمز ليس فوضى، فهو تأسيس إيراني ذكي لنظام معقّد من «التحكم الديناميكي». فالإغلاق والفتح لم يعودا حالتين نهائيتين، إنهما أدوات ضمن لعبة توازن دقيقة. السيطرة لم تعد تعني فرض الحظر الكامل، إنها القدرة على التأثير في سلوك الآخرين، وجعلهم يعيدون حساباتهم باستمرار تحت ضغط المخاطر.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل المضيق مفتوح أم مغلق؟ إنه ببساطة : من يملك القدرة على جعل العالم يتصرف وكأنه مغلق؟
إلى أن يُحسم هذا السؤال، سيبقى مضيق هرمز مساحة للغموض المدروس، حيث تُدار المواجهة على حافة التصعيد، ويظل العالم كله معلقاً بين قرار لم يُعلن… وواقع يُفرض.
*كاتب وصحفي عراقي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر