السبت , يونيو 6 2026
الرئيسية / اراء / خيار إيران الاستراتيجي للدفاع عن السيادة والاستقرار الحقيقي!

خيار إيران الاستراتيجي للدفاع عن السيادة والاستقرار الحقيقي!

نجاح محمد علي*
في بيان صريح ومباشر للحرس الثوري الإيراني، أكد أن “السلام والاستقرار في المنطقة لن يتحققا ما لم يتم الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة”. جاء هذا الموقف عقب رفض أمين عام حزب الله نتائج محادثات واشنطن، مؤكداً رفض فصل الساحات ومعادلة “الضاحية مقابل الشمال”. هذا البيان تعبير عن رؤية استراتيجية متماسكة تعتبر الاستقرار الإقليمي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بإنهاء الاحتلالات والاعتداءات، ويضع الدفاع عن لبنان وسوريا والمنطقة ضمن الأولويات الإيرانية السياسية والعسكرية.
يعكس هذا التحول إلى استراتيجية “الحرب الأبدية” – أو المواجهة المستمرة – قراراً واقعياً ومبدئياً اتخذته طهران بعد عقود من الضغوط والعدوان. إيران لم تتخلَ عن فكرة التسوية عبثاً، بل أدركت أن الرهان على الاتفاقات الجزئية مع واشنطن، التي تفرض شروطاً أحادية الجانب وتتجاهل حقوق الشعوب، لم يعد خياراً ممكناً. الاغتيال الجبان للشهيد قاسم سليماني، ثم الضربات المباشرة التي استهدفت قيادات إيرانية رفيعة بما فيها القائد الأعلى آية الله سيد علي خامنئي، أثبتت أن الاعتماد على “الصبر الاستراتيجي” وحده يُفسر خطأً كضعف. لذا انتقلت إيران إلى عقيدة ردع نشطة تعتمد على المحور المقاوم بكامله، لتجعل أي اعتداء مكلفاً للخصوم.
هذا التحول لم يكن نتيجة سيطرة تيار متشدد بشكل مطلق كما تروج السرديات الصهيو أمريكية وتوابعها العربية(وطبعاً المعارضة الإيرانية في الخارج) ، بل هو تطور طبيعي للنخبة الإيرانية التي توحدت أمام العدوان الخارجي.
بعد الخسارات الكبيرة، برزت أولوية الحفاظ على التماسك الوطني والثوري، حيث أصبح الدفاع عن المبادئ الثورية – تصدير روح المقاومة ومواجهة الاستكبار – جزءاً أساسياً من هوية النظام. هذه الهوية مصدر قوة يمنع الانهيار الداخلي ويوحّد الشعب خلف القيادة في وجه الحصار. البراغماتيون والمتشددون يلتقون اليوم على أن المواجهة المستمرة تحمي المصالح الوطنية بشكل أفضل من التنازلات التي قد تؤدي إلى التفكك.
يعتقد قادة النظام في إيران– وأرى أنهم محقون في ذلك – أن الاستمرار في المواجهة سيحقق مكاسب استراتيجية أكبر من أي اتفاق سلام هش. التأريخ يثبت أن أمريكا لا تفهم إلا لغة القوة والاستنزاف. من فيتنام إلى أفغانستان، أجبرت حروب الاستنزاف واشنطن على الانسحاب. اليوم، يطبق “محور المقاومة” هذه المعادلة بذكاء: ربط الساحات يمنع صفقات منفصلة تُضعف لبنان أو {العراق} أو اليمن، ويفرض على الخصوم تكلفة باهظة. الدبلوماسية الإيرانية تحولت إلى دبلوماسية الميدان كما أراد لها الجنرال سليماني، وهي اليوم أداة مرنة تكسب الوقت وتكشف تناقضات الطرف الآخر، مع الحفاظ على الجاهزية العسكرية الكاملة.
غيرت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية حسابات طهران بالفعل، لكن لصالح تبني سياسة هجومية دفاعية. بدلاً من الاكتفاء بالردود المحدودة، أصبحت إيران تطور قدرات ردع شاملة عبر حلفائها الطبيعيين، الذين يمثلون إرادة شعوب المنطقة في مواجهة الاحتلال. هذا تصعيد مدروس ، و حساب استراتيجي دقيق يعتمد على الصمود والعمق الاستراتيجي. داخل النخبة، يسيطر التوازن بين الحذر الذي يخشى الخسائر والإصرار الذي يرى في المقاومة الطريق الوحيد للكرامة والاستقلال.
مقارنة بـ”الصبر الاستراتيجي” السابق، أثبتت استراتيجية المواجهة المستمرة فعاليتها في الحفاظ على المكاسب الميدانية ومنع الانهيار الإقليمي لمحور المقاومة. نجحت في إرهاق العدو وتعزيز الوحدة الداخلية، رغم التحديات الاقتصادية التي تُعزى أساساً إلى العقوبات الظالمة وليس إلى السياسة الإيرانية. أخطر المخاطر التي تواجه هذه الاستراتيجية تكمن في احتمال سوء تقدير الخصوم ومحاولاتهم فرض حرب شاملة، لكن إيران أظهرت مراراً قدرة استثنائية على الصمود والتكيف.
نحن بالفعل أمام “حرب باردة مشتعلة”، حيث لا يوجد سلام مزيف يُفرض بالقوة، ولا حرب شاملة تُدمر الجميع. هذا الوضع يخدم إيران ومحورها لأنه يحافظ على المعادلة الاستراتيجية، ويمنع الاستسلام، ويفتح الباب أمام تسوية شاملة عادلة تقوم على الانسحاب من الأراضي المحتلة واحترام سيادة الدول.
في الختام، “الحرب الأبدية” تعتمد على سياسة النفس الطويل التي تتمتع بها الشخصية الإيرانية ، فهي ليست نزوة، وإنما خيار وجودي فرضه العدوان المستمر على إيران وشعوب المنطقة.
إيران تدافع عن نفسها وعن كرامة الأمة، وتؤكد أن الاستقرار الحقيقي يبدأ بإنهاء العدوان و الاحتلال والتدخلات الخارجية. هذا المسار، رغم صعوبته، يعزز موقع طهران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، ويرسم طريقاً نحو توازن جديد يحترم حقوق الشعوب. المنطقة بحاجة إلى مثل هذه المواقف الثابتة لتحقيق سلام مشرف وليس استسلاماً.
*كاتب عراقي وباحث في الشؤون الايرانية والإقليمية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين لا نحسن قراءة ما بين السطور!

د. ادريس هاني* حين نفقد ملكة القراءة بين السطور نقع مرة أخرى في النظرة التبسيطية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *