علي رضا سهرابی کارشناس*
لم يكن السجال العسكري الذي دار على مدار أربعين يوماً بين إيران والتحالف الغربي-العبري في الفترة الممتدة من أواخر فبراير وحتى السابع من أبريل ٢٠٢٦ مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل شكّل منعطفاً تاريخياً حاسماً في إعادة صياغة هندسة القوة الدولية. لقد دخلت واشنطن الميدان متسلحةً بعقيدتها التقليدية القائمة على “النزعة العسكرية الكلية” (Macro-militarism) والقصف الجوي المكثف بهدف شلّ البنية التحتية وإسقاط النظام؛ إلا أن القبول النهائي بوقف إطلاق النار وتمديده المتكرر في المواعيد النهائية المحددة من قبل البنتاغون، أثبت فرضية أخرى. إن إرسال البيت الأبيض لكبار مبعوثيه السياسيين إلى مفاوضات إسلام آباد كان اعترافاً جلياً بأن التكاليف الاستراتيجية لهذه المعركة قد تجاوزت مكاسبها الضئيلة.
لفهم هذا الحدث غير المسبوق سياقاً عقلانياً، أمنياً، ووطنياً، لا بد من تجاوز الأدبيات الحزبية والشعاراتية، والغوص في التحليل الفني لطبقات الجيوسياسة والاقتصاد السياسي لهذا التوازن غير المتكافئ؛ لتتضح الأسباب التي دفعت بالقوة المهيمنة وراء البحار إلى الانكفاء مجدداً نحو “النزعة العسكرية الجزيئية” (Micro-militarism) وإدارة التصعيد بشكل مشترك.
١. انهيار عقيدة “الصدمة والترويع” أمام استراتيجية اللامركزية والتوزيع الجغرافي
لطالما استندت العقيدة العملياتية للجيش الأمريكي طوال العقود الثلاثة الماضية إلى مفهوم “الصدمة والترويع” (Shock and Awe)؛ وهو تدمير صاعق ومركز لجميع مراكز القيادة، والاتصالات، والدفاع الجوي للخصم في الأيام الأولى للحرب، بما يسلب منه إرادة المقاومة ويصيب الدولة المستهدفة بشلل هيكلي. بيد أن هذا النموذج الذي طُبق سابقاً في العراق وصربيا، واجه مأزقاً تكتيكياً مسدوداً في معركة الأربعين يوماً عام ٢٠٢٦.
لقد أسست إيران هندستها الدفاعية على مدار العقدين الماضيين بناءً على مبدأ “التوزيع الجغرافي” والدفاع غير الفعال. إن وجود قواعد الصواريخ والطائرات المسيرة في أعماق مئات الأمتار تحت الأرض (مدن الصواريخ) واستقلالية شبكات القيادة المحلية، أتاح للجيش والحرس الثوري الحفاظ على قدرة البقاء (Survivability) في أعلى مستوياتها، رغم الكثافة غير المسبوقة للطلعات الجوية والهجمات الصاروخية المعادية.
وعندما تعجز الآلة الحربية للخصم عن تصفية القدرة الصاروخية المضادة خلال المدة الزمنية الحرجة (الشهر الأول)، فإن المهاجم -وفقاً للنظريات الاستراتيجية- يكون قد خسر اللعبة؛ لأن الوقت يبدأ بالدوران لصالح المدافع، وتبدأ خطوط الإمداد التابعة للقوة المهيمنة بالتصدع تحت وطأة الإنهاك الناتج عن إطالة أمد المعركة. واستمرار الرشقات الصاروخية الردعية الإيرانية حتى اليوم الأربعين شَكّل إثباتاً قاطعاً على أن النواة الصلبة للقدرة الدفاعية للبلاد ظلت بمنأى عن التدمير.
٢. الاقتصاد السياسي الدولي ورافعة جيوسياسة الطاقة
لم تكن هناك مؤشرات تضاهي “جيوسياسة الطاقة” وضمان أمن الممرات الحيوية في دفع واشنطن نحو القبول بشروط وقف إطلاق النار. في أدبيات العلاقات الدولية، تُعرف المساحة الفاصلة بين السلم الكامل والحرب التقليدية بـ “المنطقة الرمادية”. ومن خلال الفهم الدقيق لهذه الجغرافيا، ركّزت إيران ضربتها الاستراتيجية المضادة على الشريان الأكثر حيوية للاقتصاد العالمي: مضيق هرمز وبحر عمان.
إن فرض الإشراف الميداني على هذا المضيق والإغلاق المؤقت لتدفق النفط غيّر معادلة “نظرية المباريات” (تئوری بازیها) لغير صالح البيت الأبيض. وأدى الارتفاع الحاد والمفاجئ في أسعار النفط العالمية إلى أرقام تتجاوز قدرة الأسواق المالية الغربية على التحمل، مما خلق موجة من التضخم في الاقتصادات المتقدمة. من ناحية أخرى، تسبب تضرر السفن التجارية وقفزات تكاليف التأمين البحري في إثارة احتجاجات قوى دولية كبرى مثل الهند، التي أُصيب رعاياها من البحارة جراء هذه التوترات.
وفي هذه الطبقة، تغيرت المعادلة الحسابية للبنتاغون بشكل جذري: إذ لم يعد ضرب بضعة مواقع داخل إيران مبرراً إذا كان الثمن شلّ نصف سلاسل إمداد الطاقة في العالم وإغضاب الحلفاء الدوليين. وجاء طلب وقف إطلاق النار ليؤكد أن عقيدة “توازن الرعب” في الخليج لا تزال الأداة الردعية غير العسكرية الأكثر فاعلية لدى إيران.
٣. إزاحة ميزان القوى؛ من الحرب الصلبة إلى “النزعة العسكرية الجزيئية” القسرية
يعد تراجع المستوى العملياتي للولايات المتحدة من مواجهة عسكرية شاملة إلى استراتيجية “النزعة العسكرية الجزيئية” (Micro-militarism) أحد أهم الأبعاد الفنية لنتائج هذه المعركة. والمقصود بهذا المفهوم هو الاعتماد على الأدوات الصغيرة، العمليات الخفية، الهجمات الدقيقة بالطائرات المسيرة، وأدوات الاستنزاف بدلاً من الحشود العسكرية الضخمة. فالولايات المتحدة التي دخلت الميدان بنية الإطاحة بالنظام ونزع سلاح إيران بالكامل، أدركت في أواخر المعركة أن استمرار هذا المستوى من الصدام سيقود إلى حرب إقليمية شاملة وخروج لزمام الأمور عن السيطرة.
بناءً على ذلك، اضطرت واشنطن إلى خفض سقف مطالبها وتمهيد مسار الدبلوماسية عبر قنوات وسيطة. وكان حضور المبعوثين الأمريكيين الرفيعي المستوى (مثل جي دي فانس وكوشنر) في إسلام آباد بباكستان، والمساومة على الخطة الإيرانية المؤلفة من ١٠ مواد، انعكاساً عينياً لميزان القوى على الأرض. فلو كان التفوق العسكري الأمريكي مطلقاً، لما كانت هناك حاجة لتقديم تنازلات والقبول بالتمديد المتكرر لوقف إطلاق النار. وإن الانكفاء الأمريكي إلى لغة العمليات المحدودة الفجرية على سواحل هرمزغان (والتي اعترفت بها قيادة “سنتكام” لاحقاً بشكل قطري ومحدود) يوضح أن أمريكا وصلت إلى قناعة بأن سقف قدرتها أمام إيران بات ينحصر في هذه المناقشات الخرد والخفية، دون القدرة على تثبيت نصر كلاسيكي.
٤. الردع غير المتكافئ وتفعيل العمق الاستراتيجي لشبكة المقاومة
تمثل الخطأ الحسابي الآخر للغرب في تجاهل الطبيعة المتعددة الطبقات لشبكة الأمن الإقليمي لإيران. في المتون المرجعية للأمن الدولي، يُعتبر “الدفاع الاستباقي” (Forward Defense) مبدأً حيوياً للدول التي تفتقر إلى العمق الجغرافي وتتعرض للضربات المباشرة. وجاءت هذه المعركة لتكشف عن الوظيفة الأمنية والوطنية للحضور الإيراني في تحولات المنطقة (العراق، سوريا، اليمن، ولبنان)، وهو الحضور الذي طالما اختزله بعض المحللين في الداخل خطأً في الأبعاد العقائدية الصرفة.
فعندما بدأ الهجوم الجوي على الحدود السيادية لإيران، قامت شبكة المقاومة -بالتزامن والتنسيق التامين- بتفعيل جبهات متعددة من الصراعات منخفضة الشدة حول مصالح أمريكا وحلفائها. وتعرضت قواعد “سنتكام” في المنطقة وخطوط إمداد التحالف لنيران بومية (محلیة) مستمرة. هذا التطور شتت التركيز الراداري والتسليحي لإسرائيل والولايات المتحدة؛ إذ لم يعد المهاجم يواجه جبهة واحدة، بل وجد نفسه أمام “منظومة أمنية إقليمية مترابطة” إذا قُطع رأس منها تحرك الآخر. هذا العمق الاستراتيجي شلّ بشكل عملي قدرة العدو على المبادرة الهجومية.
٥. التماسك الاجتماعي وانكسار عقيدة الانهيار من الداخل
اعتمد شق واسع من تصميم عمليات الأربعين يوماً على تقارير وكالات الاستخبارات الغربية المحيطة بالانقسامات الاجتماعية والاستياء الداخلي في إيران. وكانت فرضية واشنطن تقوم على أن المجتمع الإيراني، نظراً لشكاواه الاقتصادية والثقافية، سينتفض ضد السيادة مع أول موجة من الضربات العسكرية، لينهار النظام صامتاً من الداخل.
لكن الواقع السوسيولوجي لإيران أفرز معادلة مختلفة تماماً. فقد أثبت الشعب الإيراني أنه يفصل تماماً بين “نقد السلوك الحكومتّي والهياكل الإدارية” وبين “إصلاح الأمن القومي وصون سلامة الأراضي”. وشكّل عدم تماهي الرأي العام مع دعوات وسائل الإعلام التابعة للمعارضة لإثارة الفوضى طوال الأربعين يوماً صدمة استراتيجية كبرى لمصممي الحرب الإدراكية الأمريكية. إن نزول مختلف الأطياف ذات الرؤى الثقافية المتنوعة للدفاع عن الوطن برهن على أن الركائز الهوية للمجتمع الإيراني-الإسلامي تترجم في المنعطفات التاريخية إلى انسجام وطني صلب. هذا “التماسك الوطني” (National Resilience) كان المتغير الخفي الذي عجزت حواسيب البنتاغون عن قياسه ورصده.
٦. قراءة في بنود وقف إطلاق النار في إسلام آباد: تثبيت التوازن الجديد
إن نظرة فنية إلى نتائج المفاوضات والشروط المطروحة تؤكد أن إيران استطاعت فرض نظام جديد على المنطقة. وتمثلت الخطوط الحمراء لطهران في الإصرار على عدم التنازل عن الإدارة الاستراتيجية لمضيق هرمز، وحماية المنجزات النووية، واستمرار تطوير البرنامج الصاروخي كأداة ردع حيوي. وفي المقابل، فإن إذعان البيت الأبيض المكره لهذه الشروط يكرس حقيقة فريدة: نهاية عصر الأحادية الأمريكية المطلقة.
أمريكا التي كانت في غابر الأيام تغير الحكومات بإشارة واحدة، باتت اليوم مجبرة على تفاوض قوى إقليمية استطاعت الحفاظ على اليد العليا في البر والبحر والحرب الإلكترونية، وذلك لتأمين مساراتها التجارية وحفظ ماء وجهها السياسي. إن وقف إطلاق النار عام ٢٠٢٦ لم يكن سلماً ناتجاً عن مساومة أو تراجع، بل كان “سلماً فرضته حالة التشبع في الردع”.
الخلاصة
لقد أثبتت معركة الأربعين يوماً عام ٢٠٢٦ أنه في ظل فوضى النظام الدولي، لا تتحقق الشرعية السياسية إلا إذا كانت مدعومة بالقوة الصلبة والذكاء الاستراتيجي. وإذا ما نقلنا تبيين هذا الحدث الكبير من الهوامش الشعاراتية إلى اللغة الفنية والوطنية، سندرك أن صمود إيران كان ضرورة عقلانية لبقاء الحضارة وجغرافية هذا الوطن بأكمله.
إن خضوع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار وقبولها بالشروط الإيرانية هو ختم تأكيد على أن الإمبراطوريات الآيلة للأفول لم تعد قادرة على خوض حروب كبرى وشاملة ضد القوى الإقليمية الصاعدة. واليوم، نجحت إيران، بالاعتماد على منظومة دفاعية متوازنة، في كبح تهديد الإسقاط وإرجاعه إلى مستويات مهارية خفية ومسيطر عليها ضمن “النزعة العسكرية الجزيئية”، لتثبت نفسها كقوة مهيمنة مستقلة وغير قابلة للتجاوز في غرب آسيا. هذا الإنجاز لا ينتمي إلى تيار سياسي محدد، بل هو الدرع الأمني للأمة الإيرانية بأسرها لولوج النظام العالمي الجديد.
*كاتب ايراني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر