د. سعد ناجي جواد*
وسط الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في بغداد، والتي نشا عنها اعتقال مجموعة كبيرة من الفاسدين الصغار، سرت بين العراقيين فرحة عارمة بهذه التطورات المفاجئة. وما فتئوا يأملون ان تستمر هذه الحملة وتتصاعد، بعد ان عانوا من فساد وسرقات أموالهم وأموال أجيالهم الحاضرة والمستقبلية لمد 23 عاما.
شخصيا لا استطيع ان اكون متفائلا بالكامل، وفي نفس الوقت لا اريد ان اكون متشائما، وهذه المشاعر المتضادة لها اسبابها إذا ما حاولنا تفسير ما يجري بصورة هادئة وواقعية. نعم أفرحني كثيرا خبر القاء القبض على بعض الفاسدين الصغار، الذين كان منظر ظهورهم شبه اليومي في الإعلام وهم يتحدثون عن (النزاهة والشرف وحب العراق والدفاع عن مصالح أبناءه)، يغضبني ويستفز كل مشاعري، بل ويشعرني وكل العراقيين الشرفاء وكأننا مغفلون. ناهيك عن شعور بالعجز عن فعل اي شيء يجعل هؤلاء الذين استمرأوا السحت الحرام يأخذون جزاءهم. خصوصا وان العالم كله تقريبا اصبح غطاءا للفاسدين من العراق، يأويهم ويمنحهم اقامات دائمة او جنسيات جديدة، والأهم يقبل ايداع السحت الحرام الذي جمعوه في بنوكهم ومن دون ان يسألوهم السؤال البديهي عن مصدر هذه الاموال. يرافق ذلك وقوف كل الحكومات العراقية المتعاقبة موقف المتفرج واللامبالي. حتى تصاعد الفساد واستشرى وتكاثر المشتركين فيه، ووصل الامر إلى ان يمارسه أطفال وفاشلين بكل معنى الكلمة. من هذا المنظور فان اخبار الحملة او الصولة كما أطلق عليها السيد رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، أحيت بعض الامل بين العراقيين وانا منهم. ولكن هناك اشارات لا بد وان تشعر العاقل بان ما جرى ليس بكاف، وقد يكون محدود الاثر او قد يتوقف، والأسباب عديدة، اهمها ان الحملة لم تشمل فاسدين كبار ومعروفين للقاصي والداني. مع اسباب اخرى تجعل العراقيين، مع فرحهم، يتشككون من النتائج او من نجاح الحملة:
اولا: ان كل ما جرى استرداده في هذه الحملة لم يتجاوز المائة مليون دولار، في وقت ان كمية الاموال المنهوبة تجاوز سبعمائة مليار دولار. بل وفي عملية واحدة (سرقة القرن التي تكشفت عام 2022) تجاوز المبلغ المسروق ستة مليارات دولار، وهذه مبالغ فلكية تعادل ميزانيات دول صغيرة، وكافية لنقل البلاد والعباد من حال إلى حال، واذا لم يتم استردادها او اغلبها، فان ذلك يعني ان هناك خلل في العملية، خاصة، واكرر، ان مرتكبي السرقات هم من الفاسدين الصغار والتافهين، واعترف بعضهم بفعلته واعاد جزءا صغيرا من تلك الاموال، ولم يتم متابعتهم.
ثانيا؛ هناك امر غير مشجع آخر يتمثل في حقيقة ان السيد قاضي النزاهة اليوم، والذي ظهر اكثر من مرة متحدثا عن تطبيق القانون بحذافيره بحق الفاسدين، هو نفسه الذي كان قد ظهر قبل اربع سنوات عندما انكشفت (سرقة القرن) وألقي القبض على المسؤول الاول عنها، ثم افرج عنه خلال ايام قليلة، ليخبرنا بانه هو من اصدر امر الإفراج وبصورة قانونية!!! اما رئيس الوزراء آنذاك فلقد قال انه تم اطلاق سراح الفاسد (وفق القانون) بعد ان تعهد بإعادة كل المبالغ المسروقة،!!! ولا ادري وفق اي قانون او مادة قانونية تم ذلك؟ ثم سافر المجرم ولم يعد ولا يزال طليقا يتمتع بالأموال التي سرقها هو ومن اشترك معه في الجريمة، ويقال انه مستمر في السرقة. واليوم ايضا لا يوجد ما يضمن لنا ان العملية ستستمر، لسبب بسيط ان الرؤوس الكبيرة التي تقف وراء الفساد وتحميه مازالت طليقة ومتنفذة.
ثالثا: هناك ظاهرة جديدة قديمة مستفزة وجارحة للكرامة الوطنية وللسيادة، لم يجر التصدي لها وايقافها، وتتمثل في تدخل اطراف خارجية لحماية الفاسدين. آخر هذه الحالات قيام مدير مخابرات دولة إقليمية مهمة بزيارة العراق ولقاءه مع اشخاص تحوم حولهم شبهات فساد كبيرة جدا، ونُقِلت هذه اللقاءات على الهواء وفي الإعلام، البعض فسر ذلك بانه اراد ان يقول ان هؤلاء الاشخاص تحت حمايته او حماية دولته، شخصيا لا ادري كيف لشخص بمكانته ان يرتكب مثل هذه الهفوة. اما عامة الناس فهي مندهشة ولا تستطيع تفسير سكوت السيد رئيس الوزراء عن ذلك. فعلٌ كهذا له دلالات كثيرة، فبالإضافة إلى انه يمثل تدخلا غير مقبول في الشؤون الداخلية العراقية وخرقا للسيادة، فانه يمنح من تحوم حولهم شبهات فساد اما شهادة براءة او صك حماية. طبعا هذه الممارسة جرت في السابق كثيرا حينما حاول بعض الفاسدين الاستنجاد بايران وسافروا لها لتقديم فروض الطاعة (ومن كل المكونات)، او من احتمى بدول الاحتلال ونقل الاموال التي سرقها إلى عواصمها. او حرص على الظهور مع سفير دولة كبرى في الاعلام. هذه الحالات إذا استمرت فإنها تعتبر مؤشراً على عدم جدية عملية محاربة الفساد.
رابعا: مسلسل ظهور مسؤولين سابقين وحاليين وهم يتحدثون عن الفساد وضرورة محاربته. بعد بداية الحملة تكررت وتكاثرت هذه الحالة حيث ظهرت علينا بعض وجوه الفساد تتحدث جذلا عن الحملة وضرورتها، (وكيف انهم يشدون على يد رئيس الوزراء لكي يمضي قدما)، وهم انفسهم كانت قد ثُبتت عليهم جرائم فساد كبيرة ولم يتخذ تجاههم اي اجراء، او تمت تبرئتهم بقرارات اعتباطية. ان توفير منصات إعلامية لهؤلاء على قنوات فضائية تأسست بأموال السحت الحرام يعد اهانة مستمرة لذكاء العراقيين واستفزاز لمشاعرهم.
خامسا: ان الحملة طالت بغداد والمحافظات العربية الأخرى، في حين ان المحافظات الكردية والتي يئن أبناءها من فساد مشابه، او اصبحت ملجأً للفاسدين، ظلت بعيدة عن اي اجراء. (ولو ان في الحملة الاخيرة قامت الحكومة المحلية في أربيل بتسليم عدد من المطاردين). هناك اشارات على ان الجهة التي شجعت السيد الزيدي على المضي قدما في هذه الحملة، وفي الحملة الاهم والأخطر المتمثلة بحصر السلاح بيد الدولة، وهي الولايات المتحدة، قد بدأت هي بنفسها باتخاذ بعض الإجراءات ضد مسؤولين في الاقليم. لكن العراقيون كانوا ولا يزالوا يتمنون ان تكون حكومتهم ومحاكمهم هي من تعيد حقوقهم.
سادسا: سرت شائعات كثيرة تقول ان الحملة استهدفت مكون معين، وهذا الاسلوب يتم اللجوء اليه بين الفينة والأخرى لحرف الأنظار عن المشكلة، والذي يروج له الفاسدون انفسهم، ويجب ان لا يسمح له بالانتشار. لان الحملة الاخيرة وللإنصاف شملت أسماء من المكونين الرئيسيين، وهناك من اخبرني بانها وصلت إلى كركوك وطالت بعض الأسماء الكردية، وقد تنتقل إلى بعض دول الجوار.
واخيراً والأخطر والاهم ان من رشح ودعم ترشيح السيد الزيدي لمنصبه من رؤساء كتل، كلهم تحوم حولهم شبهات فساد كبيرة، فهل سيسمحون له بان يستمر بعمل قد يقودهم إلى السجن؟
خلاصة الكلام انه على الرغم من إيجابية الحملة، وفرحة العراقيين الكبيرة بها، وكما عبرت احدى المواطنات بقولها، (حتى ولو لم تطال هذه الحملة كل الوجوه فنحن فرحون بان بعض الفاسدين سيقضون ايام الصيف القاتلة في السجون، كما جعلونا نعيشها في بيوتنا وفي حياتنا اليومية بدون كهرباء لمدة 23 عاما). لكن العراقيون يستذكرون كيف توقفت حملات سابقة قادها رؤساء وزراء سابقين، ثم ظهر بعد نهاية فترة حكمهم انهم كانوا من اكبر الفاسدين والمتسترين على الفساد، وكل ما فعلوه هو اختيار أكباش فداء بسيطة في مرحلة من المراحل. او انهم استخدموا السحت الحرام الذي اكتنزوه لكي يسخروا اقلاما مأجورة لكي تدافع عنهم.
سرعة ما جرى في الايام القليلة الماضية يجب ان لا يعطي الانطباع بان العملية سهلة ويسيرة ويمكن إنجازها بسهولة، يكفي ان نقول ان حجم الفساد كبير جدا بل وهائل، وان شبهات الفساد (نقول شبهات لانه لم يصدر بشأنها امر قضائي، ولكنها شبه اكيدة بالنسبة للعراقيين الذين يعرفون جيدا تاريخ الفاسدين وكيف تحولوا من فقر مدقع إلى ثراء فاحش خلال فترة قصيرة جدا). وبدون اي تردد يمكن القول ان (الشبهات) تحوم حول كل رؤساء الوزراء والوزراء السابقين بدون استثناء، وقبل ذلك الغالبية من اعضاء مجلس الحكم الذي شكله سيء الصيت بول بريمر، الفاسد الاول، وحول 99.9% من النواب السابقين والحاليين، ونفس النسبة من وكلاء الوزارات والمدراء العامين، وكل رؤساء الكتل السياسية وبدون استثناء ايضا، وكذلك كل قادة الفصائل المسلحة والمحافظين وأعضاء مجالس المحافظات. انه من المؤلم، بل ويحز في نفس من احب وطنه وتشرف به وتباهى بشعبه وتاريخه الطويل في النزاهة وطهارة الذيل طوال عمره ان يثُبّت هذا الكلام. ولكن مع الأسف اصبحت هذه الحالة حقيقة بعد الاحتلال، ويجب ان يتم التفكير ليس فقط بمحاربتها وانما بوضع برامج لمعالجتها اجتماعيا. أنا متأكد بان هناك من سيعلق بان هذا الامر كان موجودا قبل الاحتلال، ويحاول ان يحرف الموضوع باتهام النظام السابق، وردي على ذلك هو انني عشت طوال عمري في العراق، ومع اعترافي بوجود فساد في كل العهود السابقة، إلا انه لا يمكن مقارنة ذلك بفساد ما بعد الاحتلال. فلم يحدث ان تمت سرقة ميزانيات الدولة السنوية في وضح النهار كما حدث بعد الاحتلال، وأن تباهى الفاسدون بفسادهم بدون خجل، كما حدث بعد الاحتلال. او ان ظلت السلطة القضائية عاجزة، ربما خوفا، عن تطبيق القوانين بحقهم، ولم يحدث ان تجرأت مجاميع من المسؤولين وأبنائهم وأقاربهم على المال والممتلكات العامة كما حدث بعد 2003 ولحد الآن.
لقد اكتسب السيد علي الزيدي في غضون ايام قليلة شعبية كبيرة فاقت شعبية كل رؤساء الوزراء السابقين، والأمر الان كله بيده، هل يريد ان يستمر في هذه العملية كما وعد ويعرض محاكمات الفاسدين على الهواء كي يصبح منقذا للعراقيين من مآسيهم ويعيد لهم حقوقهم المنهوبة، ام انه سيتراجع امام الضغوط العالية التي يواجهها، او امام حملات التشهير التي بدأت تتصاعد متحدثة عن فساده هو ايضا؟ او ان هذا العمل الجيد قد ينتهي بعملية اغتيال تنهي كل امل بالإصلاح؟ أو ان تفقد العملية زخمها لانها جاءت بالأساس لإرضاء الولايات المتحدة، وقد تخفت مع تقلبات الرئيس الأمريكي المزاجية؟ اتمنى ان لا تكون النتيجة كذلك.
*كاتب واكاديمي عراقي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر