السبت , يوليو 4 2026
الرئيسية / اراء / احزاب العراق.. احتكار السلطة وتخصيص الدولة!

احزاب العراق.. احتكار السلطة وتخصيص الدولة!

د.أحمد فاتح محمد*
إن المتأمل في بنية التنظيمات الحزبية في العالم العربي، وبخاصة في التجربة العراقية، يلحظ ظاهرة تتجاوز في جوهرها مفهوم الاستبداد السياسي التقليدي؛ إنها ظاهرة الأحزاب العائلية أو السلالية، التي حولت الممارسة السياسية من فضاء لإنتاج الرؤى الوطنية إلى ملكية خاصة تدار بعقلية القبيلة السياسية. هذا التحول ليس عرضيا، بل هو تعبير عن إخفاق الدولة الوطنية في التحرر من موروثات ما قبل الدولة، وسقوط المؤسسة تحت وطأة الدم والقرابة.
في العراق وبعد عام 2003، لم تكتف الأحزاب بالهيمنة على مفاصل الدولة، بل تحولت في معظمها إلى شركات عائلية. الحزب هنا ليس تنظيما يقوم على التداول الديمقراطي للقيادة وفق برامج سياسية، بل هو نظام مغلق يورث المناصب والمنافع داخل دائرة دم واحدة. لقد اختُزل الوطن في العائلة، وتحول السياسي إلى وكيل للمصالح العائلية، مما أدى إلى تآكل مفهوم المواطنة وتفريغ العمل الحزبي من أي محتوى إيديولوجي أو إصلاحي.
إن الخطر الكامن في هذا التخصيص للسياسة يكمن في تحويل الدولة إلى غنيمة. فحين تصبح الأحزاب عائلية، يغيب معيار الكفاءة لصالح معيار الولاء، وتتحول موارد الدولة إلى خزانة لتوسيع نفوذ العائلة. هذا النمط يعطل ديناميكيات التغيير، لأن الحزب العائلي، بحكم تكوينه، يرفض الآخر ويرفض النقد؛ فهو يعتبر أي طعن في سياساته طعنا في شرفه الوجودي. ومن هنا، يصبح الانسداد السياسي حالة بنيوية لا مفر منها، لأن تداول السلطة يعني بالنسبة لهذه الأحزاب نهاية العائلة وفقدان امتيازاتها.
وما يزيد المشهد قتامة هو تماهي هذا النمط مع دكتاتورية البيانات؛ إذ توظف هذه العائلات الحزبية التقنيات الحديثة، ليس لخدمة المجتمع، بل لترسيخ سلطتها عبر “تعدين الولاء” وحماية قواعدها الشعبية من الاختراق المعرفي أو التفكير المستقل. إنها سلطة تزاوج بين بدائية القبيلة وحداثة أجهزة الرقابة الرقمية، لخلق نظام من الهيمنة المحكمة التي تمنع أي خروج عن النص. إن الأحزاب العائلية تمثل عائقا معرفيا ووجوديا أمام نهوض المجتمع؛ فهي لا تمارس السياسة لتطوير الدولة، بل لضمان ديمومة السلالة.
والتحرر من هذا الواقع لا يبدأ من داخل هذه الأحزاب، لأنها أعجز من أن تصلح نفسها، بل يبدأ من تفكيك مفهوم الحزبية القائم على الشخصانية، وإعادة الاعتبار لفكرة الفضاء العام، حيث لا يملك أحد حق توارث المصير الوطني. إن نضال المثقفين والمضطهدين اليوم في العراق هو نضال ضد التوريث السياسي بمختلف تجلياته، وهو نضال يتطلب وعيا نقديا حادا يرفض الانخراط في ولاءات الدم، ويصر على أن تكون السياسة، بكل أبعادها، ملكا للجميع، لا ملكية خاصة تدار خلف جدران العوائل العازلة.
*كاتب عراقي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

سوريا -لبنان..هل تنجحُ محاولاتُ بناء الثقة؟

د. محمد الحوراني* تأتي أهمية الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *