الأحد , يوليو 5 2026
الرئيسية / اراء / حصاد النيران.. كيف كسبت إيران الحرب؟

حصاد النيران.. كيف كسبت إيران الحرب؟

محمد بن علي البادي*
في اللحظة التي انطلقت فيها شرارة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، كان المعتدون يظنون أنها ستكون الضربة القاضية التي تكسر إرادة طهران وتغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن التحالف المعتدي؛ لتنتهي تلك المغامرة العسكرية العنيفة دون تحقيق أي من أهدافها، وتتحول في حسابات الربح والخسارة إلى خذلان استراتيجي وتراجع صارخ لقوى عظمى اصطدمت بصخرة الصمود. وهنا يكمن الذكاء السياسي؛ فبينما كان العالم يترقب انهيار الدولة المستهدفة تحت وطأة النيران والحصار، كانت إيران تقلب الطاولة على الجميع، محوّلة أتون الحرب وصخب الطائرات إلى فرصة تاريخية ذهبية، خرجت منها بأكبر حصاد من المكاسب السياسية والعسكرية والداخلية التي أعادت رسم موازين القوى في المنطقة فرضت واقعاً إقليمياً جديداً.
لقد تبلور أول وأهم هذه المكاسب في الميدان العسكري والدفاعي؛ إذ كانت هذه الحرب بمثابة أكبر وأعنف تمرين حي واختبار حقيقي للمنظومات الدفاعية والهجومية الإيرانية في ظروف حرب شاملة وغير تقليدية. وتحت وطأة الضغط المستمر، اضطرت طهران إلى تفعيل استراتيجية الاعتماد المطلق على الذات، فاختبرت بكفاءة عالية مرونة شبكاتها الصاروخية وسلاح الطائرات المسيرة، وطوّرت من أساليب تصديها لأحدث التكنولوجيات العسكرية الغربية والإنجليزية. هذا الصمود الميداني لم يحمِ حدودها فحسب، بل أسس لمعادلة ردع جديدة وغير مسبوقة في الحسابات الإقليمية، حيث أثبتت للعالم أن تكلفة أي مغامرة عسكرية قادمة ضدها ستكون باهظة جداً وفوق قدرة المعتدين على الاحتمال، مما نقلها عسكرياً من مربع الدفاع إلى مربع الندّية وفرض شروط القوة.
ومن ينظر إلى المشهد بعينٍ مجردة من الانفعال، يدرك أن تلك المواجهة لم تكن بلا ثمن؛ فالضربة الأولى كانت بالغة القسوة؛ إذ أودت بحياة عدد من قادة الصف الأول، وخلفت أعدادًا كبيرة من الشهداء، وكان استهداف المدرسة في الساعات الأولى من أكثر فصولها مأساوية، فضلًا عن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية. غير أن التاريخ العسكري لا يُكتب بنتائج الضربة الأولى، وإنما بما تؤول إليه المعارك في خواتيمها. فما إن تجاوزت طهران آثار الصدمة، حتى استعادت زمام المبادرة، وأعادت تنظيم صفوفها، وواصلت إدارة المواجهة بثبات وإصرار. وفي المقابل، لا يزال الرئيس ترامب يصرّ، حتى هذه اللحظة، على تقديم نفسه بوصفه المنتصر، بينما تظل الوقائع الميدانية وحدها هي المعيار الحقيقي الذي يمنح النصر معناه، ويكشف حقيقة ما جرى، بعيدًا عن ضجيج التصريحات وبريق الخطاب السياسي.
ولم يتوقف هذا الارتداد الإيجابي لصالح طهران على الصعيد الميداني فحسب، بل امتد إلى الصعيد الداخلي والاجتماعي، حيث أحدثت هذه المواجهة تحولاً كبيراً في تماسك الجبهة الوطنية؛ فالأخطار الخارجية المباشرة تُعد، تاريخياً، أقوى صاعق لتذويب الخلافات البينية وصهر الجهود الشعبية والسياسية في بوثقة واحدة. لقد استثمرت الدولة حالة العدوان لتجاوز التباينات السياسية والاجتماعية في الداخل، ونجحت في حشد الالتفاف الشعبي خلف راية الدفاع عن السيادة الوطنية والكرامة للدولة، مما أضعف الرهانات الخارجية على إحداث اختراق أو فوضى من الداخل. هذا التلاحم فرض واقعاً داخلياً متماسكاً، واستُخدم بكفاءة لتبرير الصمود أمام تداعيات الحصار والضربات، بل وتحويله إلى وقود سياسي يعزز من شرعية المواقف الرسمية وثباتها أمام أي ضغوط تفاوضية مستقبلاً.
أما على الساحة الدبلوماسية والدولية، فقد منحت هذه الحرب إيران فرصة تاريخية لإعادة تموضعها كلاعب رقمي صعب ومحوري في التوازنات العالمية، وعجلت بارتمائها في أحضان تحالفات شرق جيو-استراتيجية متينة مع قوى عظمى مثل روسيا والصين. ولعل المشهد المهيب الذي تشهده العاصمة طهران هذه الأيام في مراسم تشييع الجنازة التاريخية للمرشد الراحل علي خامنئي، والحضور الدبلوماسي الرفيع للوفود والقيادات العربية والإقليمية والدولية، هو الدليل القاطع والبرهان الحي على أن إيران لم تخسر ثقلها، بل رسخت اعترافاً دولياً بحضورها وقوتها كشريك أساسي لا يمكن تجاوزه في صياغة أمن المنطقة ومستقبل ممراتها المائية. وبالمثل، خرج “محور المقاومة” الحليف لطهران من هذه المعمعة بأكثر تماسكاً وقناعة بأن خيار الصمود قادر على إفشال المخططات الخارجية، مما سمح لإيران بنقل خطوط دفاعها وحساباتها السياسية من حدودها الجغرافية الضيقة إلى عمق الساحات الإقليمية والدولية المحيطة بها.
والآن، وبعد أن وُضعت الحرب أوزارها، وتُوجت الأحداث بالتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب بين الأطراف، تلتفت الأنظار إلى الميدان لتؤكد أن إيران لم تخرج من هذه المواجهة صامدة فحسب، بل حوّلت لغة النيران رسميّاً إلى مكاسب استراتيجية أعادت بها صياغة معادلات النفوذ في المنطقة لسنوات قادمة.
*كاتب عُماني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

عندما تكتب غزة سر بقائها!

اسيا العتروس* من أكثر الاخبار بؤسا ونفاقا ورياء و لكن أيضا استهزاء بالعقول تلك التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *