الأحد , يوليو 26 2026
الرئيسية / اراء / الجنوب الذي لم يفهمه العدو الإسرائيلي…!

الجنوب الذي لم يفهمه العدو الإسرائيلي…!

العميد. محمد الحسيني*
بينما يواصل جيش الاحتلال تدمير قرى الجنوب اللبناني ونسف المنازل وتجريف الأراضي واستهداف مصادر الرزق، يرتفع في الداخل اللبناني، بين الحين والآخر، خطاب يتحدث عن إمكانية السلام معه، وكأن المشكلة تكمن في قرار سياسي لبناني، لا في الوقائع التي يصنعها الاحتلال يومياً على الأرض.

وهنا يستحضر الجنوبيون مثلاً شعبياً لبنانياً بليغاً يقول: “ليش تركت للصلح مطرح؟”. فالصلح لا يُبنى على الخراب، ولا على اقتلاع الناس من بيوتهم، ولا على تحويل حياتهم إلى سلسلة من الخسائر المتراكمة. فمن خسر منزله، وأرضه، ورزقه، وأحياناً أبناءه، كيف يمكن إقناعه بأن يفتح صفحة جديدة، بينما لا تزال أسباب الألم تتجدد كل يوم؟
القضية هنا ليست موقفاً سياسياً مجرداً، بل مسألة تتعلق بعلم الاجتماع السياسي وبذاكرة الجماعات. فالحروب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار فقط، وإنما بكيفية تعامل الطرف الأقوى مع المجتمع الذي خاض الحرب ضده. والتاريخ مليء بأمثلة لقوى امتلكت تفوقاً عسكرياً لكنها خسرت سياسياً لأنها عجزت عن فهم المجتمعات التي أرادت إخضاعها.
حتى لو افترضنا -جدلاً- أن إسرائيل تمتلك نية حقيقية للسلام، فإن سلوكها الميداني يناقض هذا الافتراض. فلا يمكن لدولة تدمر القرى، وتمنع عودة الحياة الطبيعية، وتستهدف البنية الاقتصادية والاجتماعية، أن تتوقع من المتضررين أن يتحولوا إلى دعاة تطبيع أو سلام.
هذه ليست المرة الأولى التي تخطئ فيها إسرائيل في قراءة المجتمع الجنوبي.
فعندما اجتاحت لبنان عام 1982، لم تدخل إلى جنوب لبنان في بيئة موحدة معادية لها. بل إن جزءاً من الأهالي استقبل الجيش الإسرائيلي بالرز والزغاريد، ليس حباً بإسرائيل، وإنما نتيجة واقع عاشه الجنوب في تلك المرحلة تحت هيمنة المنظمات الفلسطينية المسلحة، التي كانت قد فرضت حضورها العسكري والسياسي على مناطق واسعة من الجنوب، وأدخلت السكان في صراع لم يكن كثيرون منهم شركاء في قراره.
كان ذلك الاستقبال، في جانب منه، تعبيراً عن رغبة بالخلاص من واقع أمني ضاغط، وليس تفويضاً لإسرائيل باحتلال الأرض أو التحكم بمصير السكان.
لكن إسرائيل لم تقرأ تلك اللحظة قراءة سياسية عميقة. فقد تعاملت مع الجنوب بعقلية عسكرية تقوم على فكرة السيطرة والردع، لا على فكرة بناء علاقة مع مجتمع له ذاكرته وخصوصيته وتركيبته الاجتماعية.
وبدل أن تحول تلك اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء علاقة مختلفة مع السكان، فرضت احتلالاً عسكرياً مباشراً، وأنشأت منطقة أمنية مغلقة، وأقامت الحواجز، وقيدت حركة الناس، واعتمدت نظاماً أمنياً جعل الجنوب أقرب إلى نموذج الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967.
وهنا ظهر الخطأ الإسرائيلي المتكرر: الاعتقاد بأن الأمن يمكن أن يُنتج بالقوة وحدها، وأن إخضاع السكان عسكرياً يعني قبولهم السياسي. لكن التجارب التاريخية تثبت أن الاحتلال قد يفرض الصمت، لكنه نادراً ما يصنع الشرعية.
فالمشكلة في العقل الأمني الإسرائيلي أنه غالباً ما ينظر إلى المجتمعات من زاوية القوة والردع، ويتجاهل عناصر أخرى أكثر تأثيراً، مثل الذاكرة الجماعية، والكرامة، والشعور بالانتماء. وهو يفترض أن زيادة الضغط ستدفع السكان إلى الانقلاب على خياراتهم السياسية، بينما قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى نتيجة معاكسة، عبر تعميق الإحساس بالاستهداف الجماعي.
ومن هنا جاءت المقاومة ضد الاحتلال، لا بفعل عوامل أيديولوجية أو إقليمية فقط، بل أيضاً نتيجة مباشرة لتجربة يومية عاشها السكان تحت السيطرة العسكرية. فالمقاومة في الجنوب لم تولد من فراغ، بل تشكلت داخل بيئة اجتماعية شعرت بأن الاحتلال لم يقدم لها الأمن، بل فرض عليها واقعاً جديداً من التحكم والإذلال.
واليوم يبدو أن إسرائيل تعيد الخطأ ذاته، وربما بصورة أكثر قسوة.
فالرهان الإسرائيلي الحالي يقوم، على ما يبدو، على أن التدمير الواسع والضغط الاقتصادي واستنزاف البيئة الجنوبية سيؤدي إلى انقلاب الرأي العام على حزب الله، بحيث يحمل السكان الحزب مسؤولية ما أصابهم.
قد يكون صحيحاً أن شريحة من أبناء الجنوب تحمل انتقادات جدية لخيارات حزب الله العسكرية، أو تعتبر أن بعض قراراته جرّت أثماناً باهظة على لبنان والجنوب. وهذا واقع لا يمكن تجاهله.
لكن هذا الاستياء لا يعني انتقال هؤلاء إلى الضفة الأخرى.
فهناك فرق كبير بين الاعتراض على المقاومة، وبين قبول الاحتلال. وهناك فرق أكبر بين تحميل طرف لبناني مسؤولية خياراته، وبين منح شرعية لمن يمارس التدمير بحق الأرض والسكان.
إن محاولة إسرائيل فصل أبناء الجنوب عن تاريخهم وذاكرتهم تقوم على قراءة قاصرة لطبيعة المجتمع الجنوبي. فالإنسان قد يختلف مع جهة سياسية، وقد ينتقد قراراً عسكرياً، لكنه لا ينسى بسهولة من قتل أبناءه، أو هدم منزله، أو اقتلع شجرةً عمرها عشرات السنين، أو أجبر عائلته على النزوح.
وهنا يكمن سوء الفهم الإسرائيلي المستمر للبنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع الشيعي في لبنان. فمنذ قيام إسرائيل، وعلى مدى أكثر من سبعين عاماً من الصراع والتحولات الإقليمية، بقيت المقاربة الإسرائيلية تجاه هذا المجتمع أسيرة المنظور الأمني. فتارةً تعاملت معه باعتباره مجتمعاً يمكن استمالته بالمساعدات، وتارةً أخرى باعتباره مجتمعاً يمكن إخضاعه بالقوة، أو بيئة يمكن إعادة تشكيل مواقفها عبر أدوات الضغط. لكنها لم تدرك أن هذا المجتمع، كغيره من المجتمعات، لا يتحرك فقط وفق المصالح الآنية، بل وفق تراكمات التاريخ والذاكرة والشعور بالكرامة.
ولهذا فإن تدمير الجنوب لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف المقاومة، بل قد يخلق أجيالاً جديدة تحمل ذاكرة جديدة من الصراع.
فالهوية الجماعية لا تُكسر بالقصف، والانتماء لا يُعاد تشكيله بالجرافات، والذاكرة لا تُمحى بهدم البيوت.
إن السلام الحقيقي لا يبدأ بفرض الوقائع العسكرية، بل باحترام الإنسان قبل الأرض، وبالاعتراف بأن الشعوب لا يمكن أن تُطلب منها المصافحة وهي ما زالت تدفن ضحاياها. فلا يمكن بناء سلام فوق أنقاض البيوت، ولا فوق المقابر، ولا فوق ذاكرة مليئة بالخسارات.
ولهذا يبقى السؤال الذي يختصر تجربة أبناء الجنوب، ويُطرح برسم كل من يتحدث عن السلام اليوم: إذا كانت إسرائيل تريد السلام حقاً، فلماذا لم تترك للصلح مكاناً؟
فالسلام لا يُطلب من شعب تحت النار، ولا يُبنى على ذاكرة لم تُغلق جراحها بعد.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل نحن مع القصف الايراني لدول الجوار؟

د. هاني الروسان* هل نحن ضد القصف والهجمات الإيرانية التي تطال عدداً من دول الجوار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *