الأحد , يوليو 26 2026
الرئيسية / اراء / هل نحن مع القصف الايراني لدول الجوار؟

هل نحن مع القصف الايراني لدول الجوار؟

د. هاني الروسان*
هل نحن ضد القصف والهجمات الإيرانية التي تطال عدداً من دول الجوار العربية؟ هذا السؤال الذي يضع اليوم النخب العربية والتحليلات السياسية أمام اختبار تحليلي يعيد التذكير بحدث تاريخي مفصلي شكّل نقطة تحول في تاريخ الحركة الاشتراكية الدولية، وهو موقف أحزاب الأممية الثانية عند اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914. حينها، وجدت الأحزاب الاشتراكية نفسها أمام سؤال بدا بديهياً: هل تقف إلى جانب حكوماتها مع اندلاع الحرب أم تتمسك بالتزاماتها الأممية السابقة الرافضة للحروب الإمبريالية؟ وقد اختارت غالبية الأحزاب الكبرى، وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني ونظيره الفرنسي، دعم حكوماتها والتصويت على اعتمادات الحرب باعتبار ذلك دفاعاً عن الوطن في مواجهة الخطر الخارجي. غير أن فلاديمير لينين ومعه التيار الثوري رأوا أن هذا الموقف انصرف إلى الحدث المباشر، وغفل عن حقيقة الصراع بوصفه تنافساً بين قوى إمبريالية على النفوذ وإعادة اقتسام للعالم، كما ان الاصطفاف مع الحكومات لم ينجح في منع الانهيار الذي أصاب أوروبا، بل دخلت الحركة الاشتراكية نفسها في انقسام تاريخي، كان من بين نتائجه صعود التيار البلشفي، ونجاح ثورة أكتوبر 1917، ثم تأسيس الأممية الشيوعية (الكومنترن) عام 1919. و الحقيقة ان الدرس الذي خلفته تلك التجربة لم يكن متعلقاً بالحرب وحدها، بل بمنهجية التفكير السياسي نفسها، اي ان معالجة الوقائع المباشرة، مع ترك الأسباب البنيوية التي تولدها، لا تنهي الأزمات، وإنما تهيئ لولادة أزمات جديدة أكثر عمقاً.
وعلبه فان المنهجية التحليلية تقتضي إذن، ألا تُصاغ الإجابة عن السؤال الراهن عبر “نعم” أو “لا” مجردتين، بل عبر فهم البيئة التي تُنتج هذه الهجمات وتمنحها معناها الاستراتيجي. فإدانة الهجمات الإيرانية قد تسجل موقفاً يراه البعض مشروعاً ويتعلق بسيادة الدول، لكنها لا تجيب عن سؤال أكثر أهمية: لماذا استطاعت إيران أصلاً أن تتحول إلى لاعب إقليمي يمتلك هذا القدر من القدرة على التأثير والتمدد؟
فالمعروف ان سلوك تلدول لا يجري في الفراغ، وكذلك فان السلوك الإيراني لا يتحرك في فراغ سياسي أو أمني، بل يستند إلى بيئة إقليمية تشكلت عبر عقود من تعثر تسوية القضية الفلسطينية، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، والدعم الأمريكي غير المحدود لسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بما في ذلك تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة، والتوسع الاستيطاني، وتآكل مرجعيات عملية السلام. وفي ظل هذا الانسداد، تحولت القضية الفلسطينية إلى مصدر دائم للشرعية السياسية، تستطيع القوى الإقليمية توظيفه لتبرير سياساتها وتوسيع نفوذها، سواء اتفقنا مع هذه السياسات أم اختلفنا معها.
ومن هنا، فإن اختزال الأزمة في السلوك الإيراني وحده يكرر، من الناحية المنهجية، الخطأ الذي وقعت فيه غالبية أحزاب الأممية الثانية. فكما تعاملت تلك الأحزاب مع الحرب باعتبارها المشكلة، بينما كان لينين يرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في البنية الإمبريالية التي أنتجتها، يجري اليوم التعامل مع إيران باعتبارها أصل الأزمة، بينما يُترك السبب الذي أتاح لها، ولغيرها مستقبلاً، بناء هذا الدور الإقليمي.
إن الرهان على أن إدانة إيران، أو حتى إضعافها عسكرياً أو سياسياً، سيقود تلقائياً إلى استقرار الإقليم، يتجاهل قانوناً ثابتاً في العلاقات الدولية، وهو أن إزالة الفاعل لا تعني إزالة الوظيفة التي كان يؤديها إذا بقيت البيئة المنتجة لها قائمة. فالدول لا تملأ الفراغات الجيوسياسية لأنها ترغب في ذلك فحسب، وإنما لأن هذه الفراغات تستدعي من يملأها. وما دامت القضية الفلسطينية مفتوحة، وما دام الاحتلال قائماً، وما دام التعنت الإسرائيلي يحظى بحماية سياسية ودبلوماسية وعسكرية تحول دون أي تسوية عادلة، فإن البيئة التي سمحت لإيران بتوسيع نفوذها ستظل قائمة، حتى لو خرجت إيران نفسها من المعادلة.
وهنا تكمن المفارقة. فهزيمة إيران، أو تحجيمها، مع بقاء السياسات الأمريكية والإسرائيلية على حالها، قد لا تفتح الطريق أمام شرق أوسط أكثر استقراراً، بل قد تدشن مرحلة جديدة من البحث عن فاعل إقليمي آخر يتبنى الوظيفة نفسها، ويستثمر القضية الفلسطينية ذاتها، ويستند إلى المظالم نفسها. وقد يكون هذا الفاعل دولة إقليمية صاعدة، أو تحالفاً جديداً، أو حتى تنظيماً عابراً للحدود. فالوظائف الجيوسياسية لا تموت بسقوط من يشغلها، وإنما تموت عندما تزول الحاجة التي أوجدتها.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ندين إيران أم لا؟ فهذا سؤال وان كان له من يبرره، ولكنه ليس السؤال الحاسم. فالسؤال الحاسم هو: هل تؤدي السياسات المطروحة اليوم إلى إزالة الأسباب التي تنتج الدور الإيراني، أم أنها تكتفي بمواجهة أحد تجلياته؟ فإذا كان الاحتلال باقياً، وإذا بقي مشروع التوسع الإسرائيلي يتقدم، وإذا استمرت واشنطن في توفير الحماية السياسية التي تعطل أي أفق حقيقي لحل الدولتين، فإن المنطقة لن تكون قد اقتربت من الاستقرار، بل ستكون قد هيأت الظروف لإعادة إنتاج الأزمة بأسماء مختلفة.
لقد علمتنا تجربة الأممية الثانية أن التركيز على الحدث المباشر قد يقود إلى إغفال التناقض الذي يحكمه. ويعلمنا الشرق الأوسط اليوم الدرس نفسه. فالقضية ليست الدفاع عن إيران أو تبرئة سلوكها، كما أنها ليست التقليل من خطورة الاعتداء على أي دولة عربية، وإنما إدراك أن الأمن الإقليمي لا يُبنى بإزالة لاعب واحد، بل بإزالة البيئة التي تجعل ظهور هذا اللاعب، أو من يخلفه، أمراً متكرراً. ومن دون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وفرض تسوية عادلة تفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، سيظل الإقليم يدور في الحلقة ذاتها: يسقط فاعل، ويولد آخر، بينما يبقى السبب الذي أنتجهما جميعاً قائماً.
*كاتب وأكاديمي تونسي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الجنوب الذي لم يفهمه العدو الإسرائيلي…!

العميد. محمد الحسيني* بينما يواصل جيش الاحتلال تدمير قرى الجنوب اللبناني ونسف المنازل وتجريف الأراضي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *