الثلاثاء , أغسطس 4 2026
الرئيسية / اراء / سراب التحالفات!

سراب التحالفات!

 

بقلم / كفاح عادل

من بين ركام الرهانات الخاسرة وتبدّل موازين القوى تتجلى الحقيقة ناصعة لا تشوبها أدخنة المناورات ولا تزيفها التوقيعات فالسيادة لا تستجدى من مظلات حماية خارجية والكرامة لا تصاغ في أروقة التحالفات الهشة. حين تتهاوى الخيارات العسكرية أمام ثبات الشعوب تحاول القوى المأزومة إعادة تدوير الفشل بأسماء جديدة ويافطات براقة غير مدركة أن التاريخ لا يكتب بمداد الأوهام وأن الميدان وحده هو من يمتلك القول الفصل ويفصل بين الحقيقة والسراب.

حين يعجز المرء عن مواجهة الحقيقة يذهب ليصنع وهماً جديداً وحين تفشل العواصف يعود صاحبها لينفخ في رمادها لعلها تصبح إعصاراً هكذا يبدو المشهد اليوم وهو يعلن عن تشكيل تحالف جديد تحت يافطة “حماية الملاحة وتأمين باب المندب” بعد أن ضاقت به السبل وأُغلق في وجهه البحر الذي أراد أن يجعله خندقاً ضد اليمن.

الدعوة وجهت لما يقارب 51 دولة، فحضر منها 43، ووقعت 14 فقط، في أرقام تكشف حجم العزلة الدبلوماسية والسياسية قبل أن تكشف حجم التحالف ذاته. والأغرب أن الموقعين حتى اللحظة لم يتحرك منهم أحد؛ فلا سفينة أبحرت ولا بارجة تحركت ولا بيان عملي صدر عن غرفة عمليات مشتتة ليعلن ذلك التوقيع ولادة تحالف ميت قبل أن يتنفس كونه قام على أساس معوج يبتغي حماية المعتدي من نتائج عدوانه وتأمين طريق لمن قطع طريق غيره.

لقد جربت الرياض من قبل أن تصنع تحالفاتها ضد اليمن ففي عام 2015 جمعت 17 دولة تحت مسمى “عاصفة الحزم” وهي تتشح بكل أسباب القوة من المال والسلاح والإعلام والغطاء الدولي المفتوح فكانت النتيجة أن انقلبت العاصفة على رأس أصحابها وتحولت إلى تسونامي يمني اجتاح المواقع الحدودية الواحد تلو الآخر ووثقته عدسات الميدان صوتاً وصورة. ثم تلا ذلك ما سمي بـ “تحالف حارس الازدهار” ليحمي السفن فإذا باليمن يمضي في طريق إسناد غزة غير عابئ وتتهاوى هيبة التحالفات كما تهاوت عروش الأوهام من قبلها.

واليوم يعود المشهد ذاته ولكن بلباس مختلف وأهداف متراجعة إذ كان التحالف الأول للهجوم بينما جاء الثاني للدفاع والأول لضرب اليمن والثاني للحماية من الضربات اليمنية. هذا الانتقال وحده يمثل شهادة فشل موثقة وإعلان هزيمة موصوفة فالدولة التي كانت تتحدث عن الحسم في أسابيع صارت تبحث اليوم عمن يحمي سواحلها وموانئها من يد امتدت انتصاراً لغزة ورداً لمظالم التاريخ.

واللافت في الأفق السياسي أن بوصلة هذه التحالفات لا تخطئ أبداً وجهتها الفاسدة إذ تتجه دوماً نحو الداخل العربي والإسلامي في سوريا وقطر ولبنان والعراق وإيران واليمن بينما العدو الذي يحتل الأرض ويقتل الأطفال ويحاصر غزة منذ سنوات لم تسمع له الرياض دعوة لتحالف ولم تر له في أجندتها بنداً.

كأن المهمة محددة سلفاً: أن تكون عصا في وجه الأمة وجسراً لغيرها ومن هنا جاء التناغم العجيب بين هذه التحالفات والرغبة الصهيونية والأمريكية في كسر اليمن وإعادته إلى زمن الوصاية والتبعية إلى أيام كانت فيه السفارات هي التي تقرر والتعليمات الخارجية هي التي تنفذ.
لكن اليمن الذي خاض معركة النفس الطويل لم يعد ذلك اليمن الذي تشترى قراراته بمخازن المال ولا ذلك الشعب الذي تكسر إرادته بحصار جائر أو بتحالفات ورقية فاليمانيون اليوم يقاتلون على جبهتين: جبهة الكرامة الوطنية وجبهة الواجب القومي والإسلامي تجاه إخوانهم في غزة. ومن يظن أن بإمكانه أن يثني هذا الموقف بصيغة جديدة أو بتوقيع 14 دولة فهو كمن يعول على السراب ليقطع ظمأه فالماء لا يأتي من الوهم والنصر لا يصنعه عدد الدول الموقعة بل يصنعه الحق المستقر في الصدور.

إن المؤامرات والمخططات الشيطانية وتحالفات الخيبة لن تحمي أحداً من تبعات خياراته ولن توقف مسار القوات المسلحة اليمنية في انتزاع الحقوق المشروعة لأبناء هذا الشعب إذ لم يعد في القاموس اليمني متسع للمداهنة ولا للمراوغة ولا للتسويف بعد أن بلغ الصبر مداه وأصبحت كلمة الفصل حكراً على الميدان وصنيع الرجال.

أما النصيحة الموجهة للدول التي سارعت بالتوقيع فهي قديمة متجددة: لا تربطوا خيولكم إلى جانب رهانات خاسرة فمن غرق في وحل فشله سيسحب معه كل من اعتمد عليه إذ إن التاريخ لا يرحم من باع بوصلته الأخلاقية والجغرافيا لا تكذب حين تؤكد أن من يزرع الحصار سيحصد العزلة ومن يصنع التحالفات ضد الحق سيجد نفسه وحيداً في صحراء الخيبة.

في نهاية المطاف تجد الأمم نفسها أمام لحظة فارقة لا تتسع للمناورة ولا تحتمل تأجيل الاستحقاقات فالسراب مهما امتد لن يروي ظمأ المأزومين والتحالفات القائمة على أوهام النفوذ لن تصنع أمناً ولا تبني استقراراً.
إن الطريق إلى السلام والحق واضح لا غموض فيه ويبقى الخيار أخيرًا بين التعقل والوفاء بالالتزامات وتنفيذ خارطة الطريق أو السقوط الحر في صحراء الفشل ومتاهات العزلة حيث لا تنفع الندامة ولا يبقى في أيدي صانعي الوهم سوى حصاد الخيبة والعاقبة للحق وأهله.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

إطلالة على المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط!

د.احمد القطامين* ليس الشرق الأوسط مجرد مساحة جغرافية تتقاطع عندها الحدود، بل هو ذاكرة العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *