محمد قنديل*
هناك فرق كبير بين أن تعلن دولة أنها اعترضت مسيّرة في أجوائها، وبين أن تصمت عندما تصل مسيّرة بالفعل إلى منشأة داخل أراضيها، ثم تبدأ آثار الهجوم في الظهور تدريجيًا من مصادر أخرى. وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف أمامها في الحالة السعودية الحالية؛ لأن المشكلة لم تعد في معرفة ما إذا كانت المسيّرات الحوثية تحاول الوصول إلى المملكة، وإنما في السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما تصل بالفعل؟ خلال الأسابيع الأخيرة ظهرت أكثر من حالة أعلن فيها الحوثيون استهداف منشآت سعودية، ثم ظهرت لاحقًا مؤشرات مستقلة على وقوع أضرار أو حرائق أو اضطراب في عمليات الطاقة، بينما لم تقدم السعودية دائمًا رواية تفصيلية تربط بين الحادث والهجوم الحوثي. ففي 9 أغسطس/آب، على سبيل المثال، أعلنت وزارة الطاقة السعودية اندلاع حريق في منشأة تابعة لمصفاة أرامكو في جازان وإخماده دون إصابات، لكنها لم تحدد في بيانها سبب الحريق، في الوقت الذي أعلن فيه الحوثيون مسؤوليتهم عن استهداف المنشأة.
وهنا تحديدًا تظهر المفارقة. إذا كان الهجوم قد فشل، فالإعلان السعودي سهل ومفيد: تم رصد المسيّرة، تم اعتراضها، لم تصل إلى الهدف، وانتهى الأمر. لكن ماذا لو وصلت المسيّرة وأصابت منشأة؟ هنا تصبح كل كلمة في البيان الرسمي ذات تكلفة سياسية واقتصادية وعسكرية. فإذا قالت الرياض صراحة إن مسيّرة حوثية أصابت منشأة نفطية، فهي لا تعترف فقط بوقوع حادث أمني؛ بل تمنح الحوثيين أهم ما يبحثون عنه: إثبات أنهم قادرون على اختراق المجال الجوي السعودي والوصول إلى منشآت ذات قيمة استراتيجية. وإذا كان الهدف مصفاة أو منشأة لمعالجة النفط أو مرفقًا صناعيًا، فإن الاعتراف قد يتحول خلال دقائق إلى خبر عالمي، وتبدأ شركات التأمين وشركات الشحن والمتعاملون في أسواق الطاقة بإعادة تقييم المخاطر في المملكة.
والأهم من ذلك أن الضرر قد يكون أحيانًا أسوأ من الصورة التي تريد الدولة أن تظهر بها. فالمملكة تريد أن تبني صورة دولة تملك واحدًا من أكثر أنظمة الدفاع الجوي والأمني تطورًا في المنطقة، وقادرة على حماية منشآتها الحيوية. لكن عندما تصل مسيّرة إلى منشأة استراتيجية، فإن الإعلان عن نجاحها يخلق سؤالًا مزعجًا: كيف مرت؟ ولماذا لم تُعترض؟ وهل كان الاختراق صدفة؟ أم أن هناك ثغرة في منظومة الرصد؟ وهل يستطيع الحوثيون تكرار الأمر؟ ولذلك قد يكون من الأفضل سياسيًا وأمنيًا أن تتعامل الرياض مع الحادث باعتباره واقعة صناعية أو حريقًا محدودًا، بدل تحويله إلى انتصار عسكري معلن للحوثيين.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر