السبت , سبتمبر 26 2026
الرئيسية / اراء / 26 سبتمبر بين مقصلة «اللجنة الخاصة» وبندقية الاستقلال!

26 سبتمبر بين مقصلة «اللجنة الخاصة» وبندقية الاستقلال!

محمد عبدالله الخربي*
يُروى في طرائف التراث العربي أن أعرابياً ضلّ في الفلاة حتى أدركه الهلاك، فبصر خيمة هرع إليها مستجيراً. استقبلته عجوز الخيمة، وسقته شربة ماء، ثم ذبحت له شاة وطبختها. وبينا هو يأكل نَهِمَاً، مرّ ذئبٌ خاطف وسرق ما تبقى من اللحم وهرب. فما كان من الأعرابي المذعور إلا أن وقف يمدح نُبل الذئب لأنه «ترك له العظام ليمصّها»!

هذه الكوميديا السوداء، تجسد تماماً المشهد السريالي الذي نعيشه اليوم في الذكرى 64 لثورة 26 سبتمبر المجيدة؛ حيث يقف الإعلام السعودي وجوقة المرتزقة في الفنادق يتباكون على «عذرية الثورة»، وهم يظنون أن شعبنا اليمني مصابٌ بـ «الزهايمر سياسي»، قد نسي معه من الذي قاد المعسكر الملكي بالمال والسلاح والارتزاق لثماني سنوات طاحنة (1962-1970) لإجهاض الجمهورية في مهدها، ومن الذي اشترى لاحقاً عذرية القرار الوطني بفتات أموال «اللجنة الخاصة»!

من الأمير سلطان إلى الفنادق.. وثائق تجريف السيادة وعقدة «الطائف»

إن محاولة النظام السعودي ارتداء ثوب الحامي الحريص على ثورة 26 سبتمبر هي خطيئة تاريخية تُكذبها الوثائق وتفاصيل الدماء. فالمملكة التي تأسس موقفها على العداء المطلق لجمهورية 1962، حشدت المرتزقة الأجانب من أصقاع الأرض لضرب الثورة العذراء، انطلاقاً من العقدة التاريخية المزمنة المرتبطة بـ «اتفاقية الطائف 1934م» وملحقاتها، حيث كان الهاجس السعودي الدائم هو إبقاء اليمن ضعيفاً، مجزأً، ومسكوناً بالفقر والمرض لضمان عدم مطالبتها بأراضيه التاريخية (عسير، نجران، جيزان ).

وكم كان المشير عبد الله السلال قاطعاً في رده على هذا التآمر الخارجي حين قال: «إن الثورة لم تقم لتستبدل طاغية محلياً بواصٍ خارجي، بل جاءت لتقطع دابر الكهنوت والتبعية معاً». غير أن الالتفاف السعودي تحوّل بعد حصار السبعين يوماً من المواجهة العسكرية المباشرة إلى الاختراق الناعم والملغوم عبر اتفاق «المصالحة الوطنية» عام 1970. وهنا يستحضر التاريخ بمرارة مذكرات القاضي عبد الرحمن الإرياني، التي وثّقت كيف تسللت أموال «اللجنة الخاصة» السعودية برئاسة الأمير سلطان بن عبد العزيز، لتتحول مرتبات شيوخ القبائل والمسؤولين إلى قيود كبلت القرار اليمني صراحة، ونقلت السيادة الوطنية من عاصمة الثورة صنعاء إلى دهاليز الرياض.

البردوني شاهداً.. عندما تصبح «البريهة» العائلية وجهاً آخر للعمامة

في تشريح هذا التآمر والارتزاق، يبرز رادار الشاعر الفيلسوف عبد الله البردوني، الذي تعرّضت أعماله للمصادرة والمنع من قِبل نظام علي عبد الله صالح (عفاش)، لأنه رفض تزوير التاريخ وتعمد تعرية تجريف الثورة. لقد صرخ البردوني مبكراً في وجه النظام السابق الذي فُرّغ سبتمبر من أهدافها الاجتماعية والإنسانية، محولاً الحكم الجمهوري إلى إقطاعية عائلية صِرفة استبدلت «عمامة الإمامة» بـ «بريهة عسكرية» لا تحمي حدود الوطن بل تحمي الكرسي والسلالة الحاكمة الجديدة. البردوني هو القائل مستشرفاً مأساة الارتهان للجنة الخاصة:

ماذا جرى يا سبتمبر.. هل أُجهضت أم تـُقبر؟

أم صرت لافتة تُباع.. لِمن يسوم ويشتري؟

هذا التجريف الممنهج وصل ذروته قبيل عام 2014م بقرارات سياسية وعسكرية مرتهنة بالكامل للخارج، حيث أشرفت الإدارة الأمريكية والملحق العسكري في صنعاء مباشرة على تدمير منظومات الدفاع الجوي والدفاع الساحلي وتفكيك الصواريخ الباليستية اليمنية، في عملية خيانة عظمى مكتملة الأركان، لإبقاء اليمن حديقة خلفية منزوعة المخالب وسائغة للأطماع السعودية.

ثورة 21 سبتمبر.. المكمّل التاريخي والانعتاق من قيد الوصاية

هنا يكمن السبق والتحليلي الراهن الذي يهرب منه كُتّاب المارينز وأبواق الرياض: إن الهجوم المسعور الذي يشنه العدوان المباشر وغير المباشر على صنعاء اليوم ليس دفاعاً عن جمهوريتنا، بل لأن صنعاء نجحت عبر ثورة 21 سبتمبر 2014 في تحطيم أغلال الوصاية، واستعادة القرار السيادي المستقل. في عهد المرتزقة، كان السفير الأمريكي بصنعاء هو الحاكم الفعلي الذي يُملي التعيينات والسياسات العسكرية والأمنية. وبالتالي، فإن ثورة 21 سبتمبر لم تأتِ لتلغي منجزات الماضي، بل جاءت كموجة تصحيحية ومكملة التقطت الأهداف لثورتي سبتمبر وأكتوبر من أدراج الفنادق والمكاتب المرتهنة، لتحولها إلى واقع عملي محمي بقوة السلاح والإرادة الشعبية الحرة.

بالحقائق والأرقام العسكرية.. صياغة أهم أهداف الثورة

الأرقام والمعطيات العسكرية والجيوسياسية الراهنة تكشف حجم النقلة الاستراتيجية التي حققتها صنعاء تلبية لأهم هداف لثورة سبتمبر (بناء جيش وطني قوي):

1. الاكتفاء الذاتي والتصنيع الحربي: انتقل اليمن من بلد تُفكك منظوماته الصاروخية بأوامر من السفير الأمريكي، إلى دولة تصنع محلياً أكثر من 85% من عتادها الاستراتيجي، بما في ذلك المنظومات الصاروخية الباليستية فرط الصوتية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى.

2. فرض معادلات الردع البحرية: تجسيداً للسيادة الكاملة، غدا الجيش اليمني القوة الإقليمية الأولى التي تفرض حصاراً بحرياً مطبقاً في البحر الأحمر، وباب المندب، والمحيط الهندي ضد السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني وحلفائه الأمريكيين والبريطانيين، رداً على حرب الإبادة في غزة والدفاع عن كرامة الأمة.

3. السيادة الجغرافية المستقلة: تُدير صنعاء اليوم الكتلة البشرية والجغرافية الأهم والأنقى في اليمن كعاصمة للقرار القومي والعربي، دون الارتهان لأي وديعة مالية مشروطة أو منحة سعودية تُصادر القرار السياسي، مما يعيد الصياغة الحقيقية لمفهوم الاستقلال والتنمية.

التلاحم الإنساني والعسكري.. من حصار السبعين إلى حصار البحار

المعركة المقدسة التي يخوضها أبطال القوات المسلحة اليمنية اليوم هي تجسيد للتكامل والالتحام المصيري بين 26 سبتمبر (شمالاً) و14 أكتوبر (جنوباً). المفارقة البلاغية والتاريخية مذهلة هنا: ففي ستينيات القرن الماضي، حاصر الملكيون بدعم وتوجيه سعودي كامل عاصمتنا صنعاء طوال 70 يوماً بهدف إجهاض كرامتها وجمهوريتها؛ واليوم، تقلب صنعاء الطاولة التاريخية، لتفرض هي حصار البحار الشامل على قوى الاستكبار العالمي والصهيونية نصرةً لغزة وفرضاً لكرامة يمن الحكمة والإيمان.

ولا ينفصل هذا الإنجاز العسكري عن البُعد الإنساني والمعيشي للمواطن اليمني؛ فالعدو الذي موّل المرتزقة قديماً وحديثاً هو نفسه الذي يمارس اليوم أبشع حرب اقتصادية عبر نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن، وقطع رواتب موظفي الدولة وتجويع الشعب لإخضاعه. ولذلك، فإن بندقية المقاتل اليمني في الجبهات لا تحمي الحدود فحسب، بل تقاتل لانتزاع ثروات النفط والغاز اليمني المنهوبة وإعادتها لصالح الموظف والمواطن كحق إنساني أصيل نصت عليه أهداف الثورة الأوائل وتتنكر له قوى الارتزاق الفندقي.

الخاتمة:

إن الذي أفقد الثورة عذريتها ليس المقاتل الأشعث الذي يقف اليوم في خنادق العزة والكرامة من باب المندب إلى ثغور الجبهات مدافعاً عن سيادة اليمن، بل أولئك الذين باعوا قرار بلدهم برتب عسكرية مزيفة، وتولوا عواصم العدوان هرباً من مواجهة الواقع. اليمن اليوم، بقيادتها وجيشها وشعبها، تخوض مخاضها الأخير والأنبل؛ مخاض الانعتاق التام والناجز، ليرتفع علم الجمهورية اليمنية نقياً من دنس الوصاية الخارجي وسلاسل الارتهان الإقليمي.

الخلاصة:

إن تباكي نظام آل سعود ومرتزقتهم على ثورة 26 سبتمبر هو قمة «البروباغندا» الساخرة والمكشوفة؛ فاليد التي حاولت خنق الرضيع في عام 1962، لا يمكن أن تكون حنونة عليه وهو عملاق يمتلك مخالب الردع الاستراتيجي. صنعاء لا تحتفل بسبتمبر بالخطابات الجوفاء أو الأهازيج الكرنفالية، بل بالصواريخ المسجّرة والمسيرات التي تحمي القرار الوطني، محققةً الوفاء الفعلي والعملي لشهداء سبتمبر وأكتوبر في معركة التحرر والاستقلال العظمى والتاريخية.
*نقلا عن الثورة

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

خريف المرتزقة!

عدنان باوزير* يبدو أن خريفًا طويلًا قد حلّ على جبهات الحرب في اليمن؛ خريفٌ لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *