الثلاثاء , سبتمبر 29 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / العقدة الاستراتيجية في العصا الأمريكية الغليظة

العقدة الاستراتيجية في العصا الأمريكية الغليظة

 

بقلم/ محمد الصالحي

منذ انتهاء الحرب الباردة، تصرفت الولايات المتحدة وكأن العالم ساحة مفتوحة لعصاها الغليظة؛ تلوّح بها حيث تشاء، وتضرب بها من تشاء، وتفرض بها قواعدها على الدول والممرات الاستراتيجية. وقد ارتبط النفوذ الأمريكي خلال العقود الماضية بقدرة عسكرية هائلة مكّنت واشنطن من الانتشار في مناطق مختلفة من العالم، وحماية خطوط التجارة والطاقة، وتأمين الممرات البحرية، ورفع كلفة تحدي إرادتها على الخصوم. لكن باب المندب يضع هذه العصا أمام عقدة لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها.

فامتلاك القوة شيء، والقدرة على تحويلها إلى سيطرة مطلقة على الجغرافيا شيء آخر. تستطيع الولايات المتحدة تحريك حاملات الطائرات والأساطيل، وإرسال الطائرات، وتشكيل التحالفات، وتقديم الدعم العسكري لحلفائها، لكنها لا تستطيع نقل الجغرافيا من مكانها، ولا تستطيع إلغاء الأهمية الاستراتيجية لموقع يقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وعندما تصبح نقطة اختناق استراتيجية مثل باب المندب تحت تأثير قوة إقليمية تمتلك الموقع والقدرة العسكرية على استثماره، فإن إحدى أهم أدوات النفوذ الأمريكي تدخل اختباراً مباشراً.

فقيمة باب المندب لا تكمن في كونه مضيقاً بحرياً فحسب، بل في كونه نقطة اختناق تتحول فيها الجغرافيا إلى قوة، والقوة إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة على التأثير في حسابات القوى الكبرى. فهو يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويرتبط بصورة مباشرة بحركة الملاحة المتجهة نحو قناة السويس والأسواق الأوروبية. ولذلك فإن أي تغير جوهري في طبيعة السيطرة أو القدرة على التأثير في هذا الموقع لا يبقى محصوراً في حدود اليمن، بل يمتد أثره إلى التجارة والطاقة والنقل البحري والحسابات العسكرية للدول المرتبطة بالمنطقة.

ولهذا فإن وصول القوات المسلحة اليمنية إلى مواقع استراتيجية عند مدخل باب المندب، وسيطرتها على جزيرة ميون ومناطق من الساحل الغربي لا يمكن التعامل معه باعتباره تطوراً عسكرياً محلياً محدوداً، بل باعتباره تحولاً في البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها. فالمعادلة لم تعد قائمة على وجود قوة دولية بعيدة تستطيع إدارة الممر من خارج الجغرافيا اليمنية، وإنما على وجود قوة يمنية قريبة من مركز الممر وتمتلك القدرة على التأثير في أمنه وحركة الملاحة حوله.

وهنا تحديداً تظهر العقدة الاستراتيجية في العصا الأمريكية الغليظة.

فالتأثير الأهم للسيطرة اليمنية المباشرة على باب المندب لا يتمثل في السيطرة على مساحة جغرافية محدودة، وإنما في وضع أحد مرتكزات القوة الأمريكية أمام اختبار مباشر: قدرة واشنطن على ضمان حرية الحركة في ممر استراتيجي لا تتحكم وحدها في جغرافيته. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن القوة البحرية الأمريكية تستمد جزءاً من قيمتها الاستراتيجية من قدرتها على الانتشار والحركة عبر البحار والممرات الحيوية. وكلما أصبحت حركة هذه القوة مرتبطة بحسابات قوة أخرى تسيطر على موقع جغرافي حساس، تقل قدرة القوة الأكبر على فرض معادلتها بصورة منفردة.
العصا الأمريكية ربما تستطيع أن تصل إلى أبعد نقطة في العالم، لكنها عند باب المندب تصطدم بجغرافيا لا تستطيع تغييرها، وبقوة يمنية لا تستطيع تجاهلها. فبدلاً من أن تفرض واشنطن سيطرتها على الممر، تجد نفسها مضطرة لتحمل كلفة أكبر، وهنا تتحول المسألة من مجرد تفوق عسكري إلى معادلة استنزاف للموارد والانتباه والقدرات.

فالقوة الكبرى لا تُقاس فقط بعدد السفن والطائرات والصواريخ التي تمتلكها، وإنما أيضاً بقدرتها على توزيع هذه القوة على مسارح متعددة من دون أن تتحول حماية كل نقطة استراتيجية إلى عبء دائم. وباب المندب، بحكم موقعه، يفرض على واشنطن أن تحسب تكلفة أي انتشار إضافي، وأن توازن بين حماية الملاحة، وحماية قواتها، ودعم حلفائها، وبين احتياجاتها في مسارح استراتيجية أخرى.

وهنا ينتقل التأثير من المجال العسكري إلى مستوى أوسع: الهيمنة الأمريكية نفسها تدخل اختباراً عملياً. فالدولة التي تريد المحافظة على موقع القيادة في النظام الدولي تحتاج إلى امتلاك قدرة موثوقة على الحركة في الممرات التي ترتبط بها التجارة والطاقة والانتشار العسكري. وإذا أصبحت هذه القدرة بحاجة إلى ترتيبات عسكرية متزايدة لمواجهة قوة محلية وإقليمية صاعدة تمتلك موقعاً استراتيجياً، فإن ذلك يكشف حدود تحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي مطلق.

ولا يعني ذلك أن باب المندب وحده يسقط الهيمنة الأمريكية؛ فالنظام الدولي أكثر تعقيداً من أن يتغير بفعل مضيق واحد. لكن أثر باب المندب أكثر تحديداً: إنه يضغط على إحدى الأدوات التي تقوم عليها القوة الأمريكية، وهي القدرة على تأمين الممرات البحرية الحيوية وضمان حرية الحركة فيها، ويجعل هذه القدرة موضع اختبار مستمر.

وتزداد أهمية ذلك عندما نضع باب المندب ضمن شبكة الممرات الاستراتيجية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. فالمحيطات ليست مساحات منفصلة، والممرات البحرية مترابطة؛ وأي ضغط على أحدها يمكن أن يدفع حركة السفن إلى مسارات أطول وأكثر تكلفة، ويزيد الحاجة إلى الحماية البحرية، ويرفع أعباء التأمين والنقل، ويعيد ترتيب الحسابات المتعلقة بسلاسل الإمداد والطاقة.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن أهمية باب المندب ترتبط مباشرة بموقعه عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وأي قوة قادرة على التأثير في هذا الممر تمتلك ورقة استراتيجية تؤثر في البيئة البحرية التي تتحرك فيها السفن المرتبطة بالموانئ والمصالح الإسرائيلية. ولذلك فإن تثبيت حضور يمني مباشر عند المضيق لا يمثل مجرد ضغط على حركة الملاحة، بل يفرض على إسرائيل إعادة حساباتها المتعلقة بأمن البحر الأحمر والوصول البحري، ويجعل الجبهة البحرية الجنوبية جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الأوسع.

وهذا يفسر أيضاً أهمية باب المندب بالنسبة إلى الحلفاء والشركاء الإقليميين للولايات المتحدة. فالدول المطلة على البحر الأحمر أو المرتبطة تجارياً وأمنياً به لا تستطيع التعامل مع المضيق باعتباره قضية يمنية داخلية فقط. وكلما ازدادت قدرة القوات اليمنية على التأثير في الممر، أصبحت هذه القدرة عاملاً حاضراً في حسابات أمن الملاحة والتجارة والطاقة، وفي حسابات الدول التي تعتمد على استمرار الحركة البحرية عبر البحر الأحمر.

والأهم أن هذه المعادلة تكشف الفرق بين امتلاك القوة وبين القدرة على استخدامها دون كلفة. فالولايات المتحدة تستطيع امتلاك قوة نارية تفوق أي قوة إقليمية بكثير، لكن القوة النارية وحدها لا تمنحها السيطرة على كل موقع جغرافي. وفي باب المندب تحديداً، تمتلك الجغرافيا قيمة تجعل القوة القريبة من المضيق قادرة على التأثير في حسابات قوة أكبر منها بكثير من حيث الإمكانات العسكرية والاقتصادية.

ولهذا فإن القوة اليمنية لا تحتاج إلى امتلاك أسطول يوازي الأسطول الأمريكي حتى تدخل في معادلة القوة البحرية. فالموقع الجغرافي، عندما يقترن بالقدرة العسكرية والإرادة السياسية لاستخدامه، يتحول إلى مصدر نفوذ يتجاوز حجم الدولة وإمكاناتها الاقتصادية. وهذه هي القاعدة التي تجعل المضائق البحرية ذات قيمة استثنائية في الاستراتيجيات الدولية: من يملك القدرة على التأثير في نقطة الاختناق يستطيع أن يفرض على الآخرين حسابات تتجاوز حدود تلك النقطة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة التي راكمت جانباً من قوتها العالمية عبر الانتشار البحري وتأمين طرق التجارة تجد نفسها أمام ممر لا تستطيع التعامل معه باعتباره مجالاً تتحكم فيه منفردة. فالقوة اليمنية، وفق المعطيات التي يقوم عليها هذا التحليل، لا تواجه الأسطول الأمريكي في معركة تقليدية مفتوحة، وإنما تستخدم ميزة مختلفة تماماً: ميزة الجغرافيا.

وهذه الميزة هي التي تجعل باب المندب عقدة في الاستراتيجية الأمريكية. فكلما ازدادت قدرة اليمن على تثبيت نفوذها المباشر حول المضيق، ازدادت صعوبة تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى سيطرة سياسية مطلقة على البيئة التي تعمل فيها القوات الأمريكية. وحين تصبح الجغرافيا نفسها عاملاً يحد من حرية الحركة، فإن التفوق العسكري لا يختفي، لكنه يفقد جزءاً من قدرته على التحول تلقائياً إلى هيمنة سياسية.

العصا الأمريكية لم تعد غليظة، لأن باب المندب أصبح عقدة لن تُحل بالغلظة وحدها. فالقوة التي اعتادت أن تفرض قواعد الحركة على الآخرين تجد نفسها أمام جغرافيا لا تستطيع تغييرها، وقوة يمنية قادرة على تحويل هذه الجغرافيا إلى ورقة استراتيجية تفرض نفسها على الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإقليمية. وهنا تحديداً تكمن أهمية باب المندب: ليس في كونه مضيقاً بحرياً فحسب، بل في كونه نقطة تكشف أن امتلاك أضخم أدوات القوة العسكرية لا يعني امتلاك القدرة على التحكم بكل عقدة استراتيجية في العالم.

نقلا عن صحيفة 26 سبتمبر العدد 2477، الاثنين 17 ربيع الثاني 1448هـ، 28 سبتمبر 2026م

عن اليمن الحر

شاهد أيضاً

عمائم بلاط السوء!

عبدالملك العتاكي هذا هو الحال اليوم حين تصبح الفتوى رصاصة في جعبة الحاكم، وحين يتحول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *