صدام عمير
“رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مالُ”.. وفي هذا العالم الفسيح، يظهر لك النفاق العالمي جلياً وتتجلى ازدواجية المعايير بأبشع صورها؛ فعلى مدى اثني عشر عاماً من العدوان السعودي على اليمن، ووسط مئات الآلاف من الشهداء والجرحى الذين غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال نتيجة للقصف المباشر، ناهيك عن أكثر من مليون ماتوا نتيجة للحصار المفروض، بالإضافة إلى تدمير كل ما يمت للحياة بصلة، ظلت محارق الموت تمر بصمت مطبق بلا صدى؛ لأن اليمنيين ليس لديهم “أرامكو”، ولأن المعتدي يشتري بالمال النفوذ والضمائر.
لم يكن العدوان على اليمن مجرد نزاع عسكري عابر أو “إعادة شرعية” كما يَدّعي العدو السعودي، وإنما كانت عملية إبادة ومحو ممنهجة لكل تفاصيل الحياة في اليمن؛ فعلى مدار 12 سنة، استُخدمت أحدث ترسانات التدمير لقتل الإنسان والشجر والحجر، وسقط مئات الآلاف من الضحايا بين شهيد وجريح، وأكثرهم من الأطفال والنساء، وتم فرض حصار اقتصادي استخدم فيه أقذر الأساليب التي تعمل على زيادة الأذى باليمنيين ليموت بالجوع من سلم من قصف طائرات العدوان السعودي.
لا ذنب لليمنيين سوى أنهم يريدون العيش بحرية بعيداً عن التبعية للشيطان الأمريكي وقرنه النجدي؛ ولذلك قرروا إبادة هذا الشعب حتى لا يكون نموذجاً للمستضعفين يُحتذى به.
ومع كل تلك الجرائم، لم تهتز شعرة واحدة لضمير المجتمع الدولي، ولم تعقد مجالس الأمن جلسات طارئة لإنقاذ طفل يمني مزقته الشظايا أو مات جوعاً بسبب الحصار المفروض، ولكنهم أخرجوا المعتدي من قائمة العار لمنتهكي حقوق الأطفال بعد تهديده بقطع الأموال التي يمنحها للمنظمة الدولية؛ لأن من يملك المال، حسب معاييرهم، هو الذي على الحق في حين يكون الضحية هو المعتدي إن رفض الظلم على نفسه.
إن ما يسمى بالجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والمجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، التي يُفترض أن تكون درعاً للمستضعفين، تحولت إلى أسواق للنخاسة تُباع فيها المواقف وتُشترى.
وعندما يكون الجاني قادراً على شراء الصمت إما بصفقات سلاح أو بتحويلات مالية، تتحول المجازر الكبرى بحق اليمنيين إلى أخبار عابرة أو أرقام هامشية في نشرات الأخبار، وهنا يتجلى عمق البيت الشعري؛ فالناس والدول الكبرى قد مالوا حيث مال المال والنفوذ، فأصبح الدم اليمني أرخص ما في السوق الدولية، بينما صمت العالم كان هو الثمن المدفوع مقدماً لتغطية جرائم الإبادة.
ولكن دوام الحال من المحال، والشعوب الحية لا تموت مهما بلغ حجم الحصار والتنكيل بها؛ فجاءت لحظة تحول المعادلة عندما قامت اليمن بفرض الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، وتم قصف المواقع الحيوية والعسكرية في العمق السعودي ردّاً على سنوات الإبادة، هنالك تفاجأ العالم المنافق الذي كان أعمى وأصم طوال 12 عاماً من العدوان والحصار على اليمن، وكأنّه استيقظ للتو من سبات عميق؛ فانطلقت أبواق الاستنكار والإدانة من أقصى الأرض إلى أقصاها، وعلت أصوات المنافقين تتحدث عن تهديد الأمن والاستقرار لمملكة قرن الشيطان وتهديد للمقدسات.
فأي واقع سيء نعيشه، وأي شريعة غاب تحكم هذا الكوكب، حيث يُترك المعتدي يعربد ويهدم ويحاصر أربعين مليون إنسان لأكثر من عقد من الزمان، فإذا رفع الضحية يده ليدفع عن نفسه الظلم، وُصِف بالجلاد، وصار حق الدفاع عن النفس جريمة مخالفة لجميع الشرائع والقوانين والأعراف الدولية!
إن معركة اليمنيين اليوم ضد العدو السعودي ومن خلفه ليست معركة عسكرية فحسب، لكنها معركة كشف الزيف الإنساني العالمي، لقد سقطت كل أوراق التوت عن جميع المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية، وثبت أن الحق في هذا العالم المنافق لا يُأخذ إلا بالقوة، لا بالمناشدات والطرق السلمية.
وسيبقى التاريخ يذكر أن شعباً بأكمله تم قُصفه وحصاره لأنه رفض الخنوع، وأن العالم بأسره صمت عن إبادة اليمنيين كما سكت عن إبادة أبناء فلسطين وغزة على وجه الخصوص، لكنه انتفض مذعوراً حين سمع صواريخ ومسيّرات اليمنيين المظلومين وهي تردّ الصاع صاعين للمعتدي السعودي.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر