فاطمة عواد الجبوري*
يبدو بأنّ المعركة الانتخابية والتي ستشمل البرلمان وكرسي الرئاسة في لبنان، قد بدأت مبكرة للغاية هذه المرة. المراقب للأوضاع في لبنان وظروفه وتقلباته الداخلية سيكتشف التغيرات المهمة التي حدثت على الساحة اللبنانية. ففي المجمل فإن التحالفات السابقة بقيت على حالها. إلا أن هناك تغيران مهمان حدثا بعد الاحتجاجات التي اجتاحت لبنان في 17 تشرين الأول 2019.
هذه الاحتجاجات ساهمت بإفراز ما يسمى “المجتمع المدني” التي انخرطت في الاحتجاجات وحولتها لمنصة انتخابية لهم. لا تُصرّح هذه المجموعات عن الموارد المالية التي تخدم حملاتها الإعلامية أو تموّل النشاط الذي تقوم به. كما أنّ هذه المجموعات وعلى عكس اسمها لا تعمل في مجال حريات الرأي أو حماية السيادة أو الترويج لاحترام الآخر. بل أخذت هذه المجموعات على عاتقها مصادرة آراء الشارع اللبناني والإدعاء بأنها الناطق الرسمي له.
المكوّن الأخر والذي تم إعادة تدويره فيما بعد انفجار بيروت كان حزب “القوات اللبنانية”. كما كان لأحداث “الطيونة” (حيث تم اغتيال سبعة أشخاص من المتظاهرين السلميين) دوراً هاماً في الكشف عن التحالفات الجديدة في الساحة اللبنانية. يركز سمير جعجع رئيس حزب القوات هذه الأيام على الظهور الإعلامي بعد كل حدث مفصلي يحدث في لبنان. وفي الآونة الآخيرة تخلّت الدول العربية (الإمارات والسعودية) عن السياسات المخفية في الدعم المالي الباذخ لجعجع إلى سياسة الترويج للأخير من خلال منحه منبراً على وسائل إعلامها.
يمارس حزب القوات اللبنانية ومن خلفه الدول الخليجية والولايات المتحدة وإسرائيل سياسة الحرب الناعمة ومحاولة استغلال الأوضاع الاقتصادية في لبنان لاتهام حزب الله بكل ما يحدث في لبنان أولاً ومن ثم محاولة كسب المزيد من المقاعد في الجولات الانتخابية القادمة. واستخدم هؤلاء العديد من الحيل والخدع يمكن اختصارها كالتالي:
مباشرة بعد أحداث الطيونة أطل جعجع للتبشير بأنّ أحداث الطيونة هي 7 أيار مُصغر. أعاد هذا التصريح المباشر لجعجع إلى اللبنانيين ذاكرة الدم التي رُسمت في مخيلتهم وذاكرتهم حول جعجع وحزب القوات من خلفه خلال الحرب الأهلية اللبنانية والمجازر التي ارتكبها الأخير. وعلى الرغم من أنّ هناك تصريحات سابقة لجعجع تحدث فيها عن امتلاك 15 ألف مقاتل جاهزين لخوض الحرب الأهلية إلا أن أحدادث الطيونة كانت التطبيع العملي لهذه التصريحات.
يُدرك جعجع بأن قيادات المستقبل اليوم في أزمة حقيقية على المستوى الانتخابي. وجاءت هذه الأزمة في جزء منها لتخلي السعودية عن القيادات السنية في لبنان لصالح سمير جعجع. ولذلك فإن جعجع يلعب على وتر التفريق بين القواعد الانتخابية لتيار المستقبل والقيادات. وعليه فقد إدعى في مقابلته الأخيرة مع سكاي نيوز، بأن القواعد الانتخابية السنية وليس قياداته تقف في صف القوات اللبنانية في الانتخابات المقبلة. ولكن القواعد السنية وعلى الرغم من الأوضاع السيئة لهم في لبنان إلا أن ذاكرتهم التاريخية لا تسمح لهم بالانخراط وراء جعجع. الطائفة السنية اليوم مجروحة من الحليف السعودي الذي تخلى عنها في أحلك الأوقات على عكس حليف حزب الله (إيران) والتي تهب لنجدة حزب الله وبقية الطوائف والمكونات اللبنانية مقابل أي أزمة يمر بها لبنان وذلك على الرغم من العقوبات القاسية التي تعاني منها. ولكن هذا الجرح وبأي حال من الأحوال لن يغير من حقيقة إعادة توحيد الصفوف في تيار المستقبل والنظر إلى الأمور بمنظار واقعي.
استخدم جعجع الكثير من المساعدات الإنسانية التي أرسلها المغتربون والحكومة الفرنسية في دعم بعض المراكز الصحية والمدارس في المناطق المسيحية وذلك للترويج للقوات اللبنانية هناك. كما يستخدم جعحع المال السعودي الوفير في محاولة جذب بعض الناخبين إلى صفه.
يهاجم جعجع في أي فرصة اتيحت له، التيار الوطني الحر والرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل. وذلك للترويج الكاذب بأن القوات اللبنانية أكبر تيار مسيحي في لبنان. ولكن الحقيقة هي أن الرئيس عون وجبران باسيل اليوم يقرأون المشهد الإقليمي بعناية ويعرفون تماماً بأن مصلحة التيار ومصلحة الشعب اللبناني هي في استمرار العهد والكشف عن المخططات الخارجية التي تمس أمن لبنان.
عبر المجتمع المدني وبعض الشخصيات المنتمية إليه يسعى جعجع إلى ضرب شعبية الحزب المسيحي الأخر (حزب الكتائب). حيث يخشى ججعج من الحملات الانتخابية للكتائب في بعبدا.
يستخدم جعجع بعض الشخصيات السياسة التي كانت في حزبه وانتقلت إلى المجتمع المدني ومنظماته كسلاح مخفي يسعى من خلاله إلى ادخال هؤلاء إلى البرلمان اللبناني وكأنهم ممثلين عن المجتمع المدني وليس حزب القوات.
أخيراً، التركيز على الهجوم على حزب الله. تتمحور سياسات جعجع الانتخابية حول محور الهجوم على حزب الله وتحميله كل ما يجري في لبنان من مصائب. كما يحاول جعجع أن ينزع عن حزب الله والمقاومة اللبنانية صفة اللبنانيين. حيث ادعى بأنّ “مقياس الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وحزبه لم يكن يوماً المصلحة اللبنانية العليا بل مصلحة ولاية الفقيه ومصلحة الأمة التي يحكمها الفقيه”، بحسب وصفه. هذه الهجمات ضد مكون لبناني يمتلك الأغلبية البرلمانية الحالية (ومن المحتمل القادمة) يحقق لجعجع منافع عديدة أقلها زيادة في الدعم الخليجي وتعزيز وهمه بأنه في طريقه إلى القصر الرئاسي في بعبدا.
المعركة الانتخابية وإن كانت قد بدأت مبكرة إلا أنه يمكن الحكم عليها من خلال السوابق التاريخية. هذه السوابق التاريخية التي تشير إلى أن المال الخليجي أينما حل خسر، فالمال الخليجي خسر في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان. إن الهجمات المركزة التي يشنها جعجع كذلك على حزب الله واتهامه بأنه ينفذ الأجندة الإيرانية فإنها عارية عن الصحة وكاذبة تهدف لنزع المواطنة اللبنانية عن صاحب الأغلبية في البرلمان اللبناني، وإن قبلنا هذه الفرضية جدلاً فإن الأجندة الإيرانية التي ينفذها حزب الله في لبنان (بزعم جعجع) تتمحور حول المقاومة مقاومة إسرائيل وجرائمها ولا شيء غير ذلك. أما الأجندة الخليجية الأمريكية الإسرائيلية التي ينفذها جعجع وغيره فإنها تهدف لتصفية القضية الفلسطينية وتجويع الشعب اللبناني ودفع الدول ذات السيادة إلى التطبيع مع العدو.
وهنا سيختار المواطن اللبناني في أي مشروع سيقف. ونحن نراهن على المشروع اللبناني ذو السيادة والوطنية.
*كاتبة وباحثة عراقية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر