صالح القزويني*
مع حجم المؤامرت التي حاكتها أجهزة مخابرات دول الشرق والغرب ضد الثورة الاسلامية في ايران، كان من المفترض أن تكون هذه الثورة في خبر كان، لا أن تبقى وتستمر بل وتتوسع وتتمدد الى أكثر من دولة وبلد، مما يشير الى وجود سر أو اسرار في بقائها.
بلغت المؤامرات والمكائد حجما حتى أن البعض شكك بمبادئ الثورة ونهجها، وعندما لم يجد تفسيرا لها قال انها صورية وليست واقعية، وان ايران تتظاهر بأنها ضحية المؤامرات لتخفي علاقتها المشبوهة مع الدوائر الغربية والصهيونية ونهجها في تدمير الأمة وبلدانه، والسبب في توصل هؤلاء الى هذه القناعة يعود الى أنهم يعتقدون ان أي حكم تعاديه القوى العالمية سواء كانت شرقية أو غربية فلن يتمكن من البقاء والاستمرار.
لذلك انقسم المفكرون والمنظرون والمحللون في الأسباب التي أبقت هذه الثورة رغم المؤامرات ضدها، فمنهم من أرجع ذلك الى أسباب غيبية ومنهم الى مقومات الثورة وعناصرها وركائزها ومنهم الى حكمة وحنكة قادتها، ومنهم من تحدثنا عنه آنفا واعتقد أن هذه الثورة بحد ذاتها مؤامرة ضد الأمة العربية والاسلامية.
لست هنا بصدد بحث أسباب بقاء الثورة الايرانية رغم المؤامرات ضدها، وانما الاجابة على التساؤل، لماذا حارب الشرق والغرب الثورة؟
بكلمة، السبب الرئيسي هو لاستقلالها، والاستقلال هنا لا يعني ان ايران ليست لديها علاقات دبلوماسية وسياسية مع دول الشرق والغرب أو انها لا تؤمن بذلك، أو انها لا تبدي أية مرونة وتنازلات مع هذه الدولة أو تلك، بل على العكس من ذلك فانها تقيم علاقات مع الجميع (باستثناء اسرائيل) وتسعى الى توطيدها وتعزيزها، بل وأحيانا تقديم التنازلات من أجل الابقاء على العلاقات، وخاصة مع دول الجوار، والمقصود بالاستقلال هو رفض أية املاءات أو سياسات تتعارض مع قرارها السيادي واستراتيجياتها، سواء صدر من دولة عظمى أو هامشية.
عندما تقاسمت قوى الشرق والغرب نفوذها في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبق معنى لاستقلال الدول، وأصبحت كل دولة تابعة إما للشرق أو للغرب، وبمجرد أن تبدأ حكومة أية دولة بتغيير ولائها وتبعيتها فستشهد انقلابا عسكريا، أو أية طريقة ووسيلة من أجل اعادة هذه الدولة الى حظيرة القوى العظمى المتنفذة فيها، وعلى الرغم من أن معظم الحكومات تتحدث عن الاستقلال إلا أن الجميع يعلم أن هذا الحديث مجرد مزاعم لا يمت للواقع بصلة.
الثورة الاسلامية في ايران تبنت منذ انطلاقتها مبدأ الاستقلال السياسي، ودفعت ولا تزال تدفع أثمان باهضة نتيجة التمسك بهذا المبدأ، الأمر الذي يرفضه الشرق والغرب جملة وتفصيلا، وكل الضغوط التي تشهدها ايران منذ انتصار الثورة وحتى يومنا هذا، تأتي نتيجة تمسكها بهذا المبدأ، ولعل الدعم الهائل الذي قدمه الشرق والغرب لنظام صدام خلال حربه ضد ايران أبرز دليل على رفضهما لاستقلال هذا البلد.
وتجدر الاشارة الى أنه لم يعد اليوم هناك شرق بالمعنى السائد سابقا، خاصة أن المتبني الرئيسي لمحور الشرق كان الاتحاد السوفيتي، وبعد انهياره استفرد الغرب بالعالم وبدأ يفرض املاءاته ويسعى الى تصفية حساباته مع الدول التي كانت مصنفة على محور الشرق، الأمر الذي يفسر قوة العلاقة الحالية بين ايران وروسيا، فالايرانيون ينظرون للعلاقة مع موسكو على انها علاقة متكافئة وليست علاقة تابع ومتبوع، بل أن بعض الايرانيين يتحدثون عن تحالف مستقبلي بين ايران وروسيا والصين ليكون نواة المحور الجديد.
سببان رئيسيان وراء رفض استقلال ايران هما:
الأول: خسارة تابع وحليف
فبما أن ايران كانت مصنفة على الغرب، فان القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية لاتريد خسارة ايران، لأن استقلالها يعني انكسار حلقة من حلقات التحالف، وانكساره يعني انهيار المصالح الغربية والأميركية في هذا البلد، إن لم نقل توقف نهب ثروات هذا البلد.
الثاني: منع تعميم التجربة
القوى العظمى تعتقد ان الأخطر من الاستقلال هو أن تحذو سائر الدول حذو الدولة المستقلة، لذلك فانها تبذل كل ما في وسعها لافشال التجربة لتوحي لسائر الدول أن مصير جميع الدول والحكومات التي تسعى للاستقلال سيكون كمصير هذه الدولة، لذلك نرى أن العقوبات التي يفرضها الغرب ضد ايران ليست جديدة وانما مفروضة عليها منذ تأسيس الجمهورية الاسلامية والى هذا اليوم، غير أن هذه العقوبات بدل أن تحول الثورة الى ركام نرى انها وجدت حلفاء وأنصار في بقاع الأرض وخاصة في الدول المجاورة لها، مما يعني أن الثورة لم تقتصر على محيط ايران الجغرافي وانما امتدت الى أكثر من دولة وبلد، واذا كان الغرب يحارب ايران لوحدها فانه يضطر اليوم الى محاربة أنصارها وأصدقائها هنا وهناك، مما يشير الى فشل السياسات التي انتهجها الغرب لتركيع الثورة الايرانية.
بما أن الثورة الايرانية تتمتع بثقل كبير في العالم الاسلامي فان الغرب يفعل المستحيل لمنع انتقال التجربة الى أي بلد اسلامي، ولا يتردد في استخدام أية وسيلة وأداة لمنع انتصار أية ثورة في المنطقة، متجاوزا بذلك كل مزاعمه عن الديمقراطية، وحرية تقرير المصير، واحترام ارادة الشعوب، وما الى ذلك من الشعارات التي يرفعها والمبادئ التي يتبناها، معتمدا في ذلك على الحكومات التابعة له هنا وهناك.
*باحث في الشأن الايراني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر