خالد الهواري*
لا سلطان علي العقل غير العقل نفسه، هذه هي الحلقة المفقودة التي تتمثل في ظاهرة الجهل المطلق واستعمار العقل التي اهالت من خلال التراكمات السلطوية التراب علي فكرة قبول تطوير النقد العقلي لكل ما تتوارثه الشعوب من التمسك بثقافة القبيلة، واعتبار ان الحاكم هو شيخ القبيلة المسؤول عن شؤون الرعية، وكل محاولة لفتح نوافذ استنارة للعقل ستفرض تلقائيا الدخول في صراع مع هذه المجتمعات التي تهيمن عليها وكبلتها ثقافة طردتها الي خارج المسار الحضاري والفكري، وبقدر ما تكون ثقافة هذه المجتمعات ملتصقه بالفكر الاسطوري ان الاخرين اعداء لهم، وان كل من يقدم الدعوة لاصلاح الواقع المسيطر علي حياتهم هي عملية للتقليل من شأنهم والتعالي عليهم، تظل رواج فكرة وعقيدة النعرة الجاهلية هي التي تتحكم في العقل وتقاوم فكرة الخلاص من الاستسلام والرضوخ للافكار التي تعرقل التقدم الي الامام ومواكبة طريق الحضارة وضرورياتها الحتمية.
وصلنا الي القاع ،ليس قاع البئر لانتشال ضحية سقطت مثل الملايين من البشر قبلها واخرين سينالون نفس المصير بعدها في ازمنة الفوضى وتساوي قيمة الانسان بحصي الطريق، وموت الحب علي مذبح الفقر وتوحش الكراهية، وكسر الكرامة الانسانية في اعين العاجزين علي اعتبار انفسهم من الاحياء، واستغلال المأساة التي تتكرر يوميا بعشرات الحكايات المختلفة وراء كل باب لصناعة حدث اعلامي لشهرة مؤقتة تنتهي عند حدود مأساة جديدة تتسابق لكشف عوراتها كاميرات الاعلام، وليس ايضا عنوان لرواية جديدة مترجمة عن عالم الغول والنداهة ورائحة التبغ على مقهي في ميناء صغير يلقي عليه البحارة المجهدين احلامهم، او اعلان تشويقي لمسرحية يؤدي ادوارها شخصيات خرافية ستنجوا من ايدي عسعس السلطان، واقلام التنابلة الذين يعتبرون ان المجد لهم وحدهم، فهم الاول والأخر، وكل من دونهم مدعي جاهل لا يعرف الفكر والابداع، بل توصيف للحقيقة كما هي بدون رتوش ومساحيق تجميل رخيصة، وجلسة للبكاء علي واقع ثابت في فساده، ويرضخ للجهل والعتمة الفكرية، وتنافس المثقفين المزيفين على هدم الاخرين من دافع الحقد والحسد عوضا عن توسيع دائرة المعرفة ودعم تنوع الافكار التي تثري العقل وتضي شمعة جديدة في عتمة الطريق الطويل امام الباحثين عن انسانيتهم في ازمنة الوحوش التي تتربص بالضحايا.
حقيقة اصبح التعامل مع تفاصيلها اشبة بعملية جلد للذات، وفكرة وجود فرصة للنجاة لمجتمع عربي واحد من انهيار القيم الاساسية سواء الدينية، او الاخلاقية والانسانية، فرصة ضئيلة جدا، وربما تتعدي في صعوبة تحقيقها المستحيلات الثلاثة التقليدية لان الواقع الذي بين ايدينا وسلوكيات الناس في الشوارع ،والاسواق، ووسائل المواصلات، ومن خلال متابعة الاحداث اليومية التي تقدم في وساءل الاعلام، والاعمال الفنية سواء في السينما والمسرح والتليفزيون تؤكد علي ان القاسم المشترك في المجتمعات العربية التي سقطت جميعها تحت هيمنة قوي الشر التي يمكن ان نطلق عليه فلول الانظمة الحديدية، الطرف الثالث، او الدولة العميقة التي لازالت تجدد نفسها مع كل مرحلة حسب ما تفرضه ادبيات تحقيق المكاسب وحصد الغنائم، ولديها القدرة من الخبرة التي اكتسبتها علي اختيار الوقت المناسب لتضع العربة امام الحصان علي طريق التطور الفكري الذي يشكل اهم اسباب خروجها من اللعبة السياسية، فانتشرت بسبب حركتها المتواصلة، ومقاومتها للانزواء علي الهامش ممارسة النفوذ في مفاصل المجتمعات والادارات الحكومية المؤثرة ظاهرة البلطجة ،وخطف الاطفال، وتجارة الاعضاء، وارتفعت معدلات العنوسة، وانتشرت ظاهرة الطلاق وتفكك العائلة نتيجة لحالة الانهيار الاقتصادي التي فاقمت معدلات البطالة، ودفعت الشباب للهجرة التي تحولت لدي الكثير من النماذج الي منفي بلاعودة، اوما يمكن ان نعرفهم ايضا ببقايا الحرس القديم التي تدعوا الجيل العربي المعاصر للبقاء في الماضي الذي لاتعرف غيره، واكتسبت معارفها من ادبياته السياسية والفكرية، ولذلك من الطبيعي ان تتعامل مع مجرد الحديث حتي ان كان حياديا ومنصفا، او في اطار تقديم النصيحة لها عن خطر بقاءها كقوة مؤثرة علي الساحة، واهمية ان تتنحي الان عن الطريق بكل تاريخها القديم من اجل المستقبل الذي اصبح اللحاق بقافلته ضرورة حتمية مؤامرة تستهدفها وتنال من كبرياءها، لازالت هذه العقول المحصورة في ثقافة الماضي وهي في مرحلة لفظ الانفاس الاخيرة تجاهد في عناد غير مبرر ان تجد لنفسها المكان والزمان لترسخ فكرة البقاء في قفص وحوش ذكري من عاثوا في التاريخ العربي فسادا وافساد ا من حكام لازالوا يسيطرون علي العقول من داخل قبورهم.
العالم اليوم لم يعد يعترف بثقافة المكان، وانتهت في ادبيات الشعوب الحرة عصر تقديس الانبياء السياسيين الكذبة من زعماء استعبدوا الشعوب وخسروا كل معاركهم العسكرية والسياسية والاخلاقية، وعلي الرغم من ذلك هؤلاء الطغاة الذين دمروا الفكر والابداع وصنعوا زعاماتهم المزيفة مستغلين مرحلة الجهل وحسن النوايا في ذلك الوقت بين شعوب كانت غالبيتها العظمي محرومة من التعليم وتعيش بدون انارة او مياه صالحة للشرب تعتبر ان العالم الكبير ينتهي عند باب البيت، وكانت اعداد من يجيدون القراءة والكتابة بين صفوفهم ضئيلة من الطبيعي انها لا تؤثر في غالبية كبرى من الفلاحين الذين يعملون بالسخرة لدى الاقطاعيين، او البدو الرحل المتنقلين من بادية الى اخرى، هؤلاء الطغاة حتي بعد موتهم وفناءهم تركوا من خلفهم صبيان يرتدون قمصانهم، ويمجدون اسماءهم، من وجهة نظري اعتبرهم المسؤولين الوحيدين عن الاسباب الرئيسية التي ادت الى الانهيار المجتمعي نتيجة لتراجع عمليات تطوير العقل لحساب السقوط في زنازين البقاء في الماضي، مع اهمية الاخذ في الاعتبار تزايد الخطر الذي شكلته هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي علي توظيف منح الفرص للجهلة، واصحاب الاجندات الخاصة ليظهروا على الساحة ويروجون لافكار عفى عليها الزمن وتجاوزتها احداث التاريخ، ولكنها علي الرغم من ذلك حققت بنجاح خطوات اثارها ملموسة في مؤامرة تعطيل مشروع التطور الحضاري للاجيال المخطوفة، مما يضاعف مسؤوليتنا نحن المهمومين بمستقبل الامة العربية. وتطهير العقلية العربية من الهواجس والمخاوف، والمثقفين الجادين ايضا معنا في اشد الحاجة الان الي مواصلة الدعوة لتطهير المجتمعات العربية من الذين يمكن ان نطلق عليهم فرسان الهيكل العربي القديم
*عضو الاتحاد السويدي للامم المتحدة
*عضو منظمة العفو الدولية ” الامنستي “
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر