د/عبدالمهدي القطامين*
هل نظلم العرب ان قلنا انهم خرجوا من التاريخ لأنهم لم يعودوا فاعلين في تاريخ العالم, أو في تاريخ المنطقة.. ليس لدينا تطور في أي مجال وخاصة العلوم والثقافة وليس لدينا أي قوة نسهم بها في تطور العالم في أي مجال.
وهل نظلمهم اذا علمنا ان تعدادهم وصل نصف مليار انسان وباتت دولهم تزحف على بطونها الى دولة تعدادها عشرة مليون انسان لتحميها من معارضاتها الداخلية ومن تهديدات الإقليم وبمقدرتهم في غمضة عين ان يغيروا هذه المعادلة البائسة.
ام ان خروج العرب من التاريخ في عصرنا الراهن مرده ان جاز الوصف هو استمرار العرب في الخضوع لأنظمة حكم قد تتعدد صورها وأشكالها وادعاءات الشرعية التي تستند إليها, وهي في الحقيقة لا تستند الى أي شرعية باستثناء شرعية الدور المرسوم لها لتقوم به من المخطط العالمي للقوى والذي يقسم العالم كيف شاء .
اكاد اجزم ان العرب خرجوا من التاريخ بعد ان هرولت انظمتهم لتنال رضى الدولة المحتلة وان تستمد شرعيتها من تعاونها مع الدولة اللقيطة التي زرعت في قلب العالم العربي لتكون. كيانا هجينا يوغل في طعن خاصرة الامة كل حين ويسعى لسلب ارادتها وتفتيت وحدتها برضى ومباركة من الأنظمة التي تحكم والتي تماهت مع المشروع الصهيو اسرئيلي واسلمت كل مقاليدها للخصم يشكلها كيف شاء ومتى شاء.
وهل يعقل ان دولة او كيان يمتلك عمقا استراتيجيا لا يزيد في احسن حالاته عن 30 كلم يستطيع ان يفرد اجنحته على امة عمقها ملايين الكيلومترات وتمتلك موارد طبيعية وبشرية قادرة على ان تكون القوة الأولى في العالم اذا امتلكت إرادة ذلك وقيض لها من يقودها دون خوف ولا وجل على كرسي بائس هو رمز للذل والتبعية بات في العصر الحديث.
ثم ان السؤال المر لماذا تخلت الامة عن كل ذلك لصالح كيانات قطرية واهية ضعيفة لا تكاد تلتقط أنفاسها او تبني تنمية او تطور او ان تلحق بركب العالم المتقدم على الأقل في مجالات العلم والمعرفة والأبداع والاختراع .
وإذ يتساءل القاريء: ماذا يعني الخروج من التاريخ؟ أقول له ان الخروج من التاريخ لا يعني الزوال من الجغرافيا لكنه يعني البقاء الجغرافي الهش الذي يعيش على هوامش الاخرين تماما مثل الطحالب دون حول ولا قوة إنه ذلك الفشل الملموس الذي لاقاه العالم العربي في التواؤم بشكل ناجح وهادف مع الواقع العصري وفي الاستجابة لتحدياته المميتة فلم تستطع ان نلحق بالرأسمالية العالمية ولم نبتكر طريقا خاصا للتنمية الذاتية وهذا هو جوهر المأزق العربي.
العرب خرجوا من التاريخ عندما بدأت انظمتهم تستمد شرعيتها من المحتل وتستمد أنظمتها الحاكمة شرعيتها من بؤس الشعوب وتواصل سحق افراد المجتمع العربي تحت نيران الفقر والبطالة وكتم الانفاس والدخول في صراعات قطرية لا معنى لها سوى تجربة السلاح الذي تعج به مصانع الغرب والشرق معا.
غياب العرب عن المساهمة في مسيرة العالم الحضارية دفعها لتكون منزوية بائسة حزينة تتصيد ما يجود به الاخرون وتستجدي استمداد القوة والتي لا تمنح لها الا بشروط الاستكانة والبقاء والهيمنة عليها من كافة القوى الإقليمية والدولية.
العرب يخرجون من التاريخ ليس لانهم بلا حضارة بل ان قوتهم الحضارية اكبر واقوى من اية امة أخرى لكنهم يخرجون لان الأنظمة الحاكمة كبلت الشعوب ومنعتهم من التفكير الحر والناقد وحاربت كل مبدع في سعي لبقاء الجهل الذي هو صمام امان بقاء العروش والكراسي حتى ولو كانت على اطلال يسكنها البوم وتنعق فيها الغربان.
العرب يخرجون من التاريخ لان انظمتهم الحاكمة لا تمتلك الإرادة الحرة في التغيير ولأنها لا ترغب في التغيير ولأنها تقوم بدورها الوظيفي المرسوم لها دون أي اجتهاد او خروج عن النص ومقابل ذلك تركت لها حرية العبث بمقدرات البلاد وامتلاكها ملكية خاصة غير قابلة للتفاوض او للنقل او التشارك فليس بغريب ان تكون الدولة العربية فقيرة بينما يمتلك حكامها ثروات طائلة كانت نتيجة تنفيذ الدور المرسوم بدقة وهذا ما كشفت عنه هبات الربيع العربي التي استطاعت الإطاحة بالأنظمة لينكشف حجم الفجيعة التي مارسها الحكام العرب المطاح بهم وحجم ارتفاع منسوب النهب والسلب الذي مارسوه طويلا على شعوبهم تحت حجج واهية لم تصمد امام الحقائق ابدا .
العرب يخرجون من التاريخ هذا مؤكد ولكن هل سيعودون تعتمد الإجابة على هذا السؤال بقدر امتلاك الشعوب الوعي الكافي للتغيير الجذري الثوري الذي يجتث الجذور ولا يكتفي بالتحسين الخادع ويبدو ان الخروج هذه المرة سيطول كثيرا.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر