الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / خريطة طريق لتحرير فلسطين

خريطة طريق لتحرير فلسطين

د. طارق ليساوي*
أشرت في مقال ” إبتلاع كامل فلسطين والقدس وإختراق المنطقة العربية و تفتيتها هدف استراتيجي لإسرائيل و الغاية تحقيق الحلم الصهيوني…لكن هذا الحلم لن يكتب له النجاح و إسرائيل إلى زوال …” إلى أن الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى خاصة لا يمكن فهم أبعادها إلى باستحضار الحلم الصهيوني الذي يحلم بإعادة بناء الهيكل و بإحياء مملكة الملك – النبي سليمان عليه الصلاة و السلام، لذلك فالحدود الحقة لصناع الحلم الصهيوني تمتد إلى حدود ” مملكة سليمان” و الغاية التي تحكم العقل الاستراتيجي الصهيوني هو البحث عن هيكل سليمان بل و أسرار و كنوز “نبي الله سليمان” و التي مكنته من تسخير شياطين الجن و الإنس لخدمة مشروعه…لكن و بعد قرون من الجهد التنظيري و التحريفي نجحوا إلى –حدما في إقامة وطن لهم- على أرض فلسطين المحتلة، و حدودهم كما يشير علمهم “من البحر إلى النهر”، و سعيهم لإختراق المنطقة العربية و تفتيتها هدف استراتيجي للكيان الصهيوني و الغاية تحقيق الحلم الصهيوني…
و نحن نتابع في هذه الأيام المباركة تصريحات حكومة الاحتلال و ما يتم تداوله على وسائل اعلامه و دعايته، نلاحظ أن هذه العنتريات و التهديدات بإقتحام المسجد الأقصى و بغزو غزة و بكسر شوكة المقاومة لم تعد لها أهمية تذكر، تعلمون أيها السادة لماذا؟ ليس لأن منظمات العمل العربي والإسلامي المشترك أصبحت قادرة على مواجهة غطرسة المحتل وانتهاكاته المتكررة للمقدسات الإسلامية وعلى رأسها الحرم الإبراهيمي والقدس الشريف، فالنظام العربي الرسمي فقد مصداقيته تماما بل أصبح في الغالب عونا للاحتلال، عبر توقيع اتفاقيات التطبيع أو عبر التعاون السري، لكن للقدس وللمقدسات الإسلامية و للحقوق الفلسطينية المشروعة سيف يحميها، و هي المقاومة في أرض العزة غزة و حرائر و أحرار شعب فلسطين …
و نحن نتابع تراجع حكومة و جيش الاحتلال و خضوعه صاغرا لمطالب المقاومة ، علينا تذكر معركة سيف القدس التي غيرت الكثير من المعادلات على الأرض ، و أسست لمعادلة ردع و رعب جديدة، لم يعد محورها غزة و أمنها من هجمات العدو الصهيوني الغاشم، و إنما عموم فلسطين من النهر إلى البحر و على رأس هذه المعادلة أمن و سلامة القدس و المقدسيين و المسجد الأقصى و باقي المقدسات الإسلامية و المسيحية بالمدينة.. كما أن هذه المعركة أنهت عمليا صفقة القرن و اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني، و أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الرسمي و الشعبي على مستوى العالم، بعدما توجهت الجهود طيلة العقد الماضي نحو إقبار القضية الفلسطينية و إدخالها في نفق مسدود و في جدل تفاوضي لا معنى له …
كما أن معركة القدس أضفت على المقاومة الفلسطينية في غزة وخاصة حركة حماس شرعية جديدة، فالخطاب الدولي تغيرت لهجته بشكل راديكالي، فموقف الاتحاد الأوربي الذي كان يعتبر حماس منظمة إرهابية، أصبح يعتبرها جزءا أساسيا من الحل و لابد من التحاور معها، نفس الموقف عبر عنه البيت الأبيض و العديد من الأنظمة العربية التي طالما اعتبرت حركة حماس منظمة إرهابية، و الواقع أن هذا التحول طبيعي و مفهوم، فالغرب يحترم القوي و لايعير إهتماما للضعيف و العاجز عن الرد…
و نحن نتابع الانتهاكات المتكررة ضد الشعب الفلسطيني و المقدسات الإسلامية بالقدس الشريف ..و موقف المتصهينين العرب من هذه الانتهاكات ، و صمت النخب المثقفة إلا القليل..إما خوفا او تجاهلا او تكالبا …استحضر موقف المهدي المنجرة رحمه الله من القضية الفلسطينية، و الذي ما إن يجد فرصة إلا و يغتنمها للدفاع عن هذه القضية العادلة ، وهو الذي عرف بهجومه الدائم على الصهيونية، في كتاباته ومحاضراته، مبرزا تناقضاتها، وكاشفا لجرائمها في حق الإنسانية …
و آراء هذا الرجل رحمه الله حول قضية فلسطين يصعب حصرها فقد دعم القضية طوال حياته من المهد إلى اللحد كتابة و نضالا ، معتبرا إياها قضية محورية بالنسبة للمغاربة والعرب سواء من منطلق قومي عروبي، أو من منطلق إنساني صرف …و قد كتب رحمه الله في إحدى مقالاته قائلا: “فباعتباري مغربيا وعربيا ومسلما وإفريقيا، بل باعتباري فقط كائنا إنسانيا، لن أعتبر نفسي أبدا حرا ما دامت فلسطين محتلة، وما دام هؤلاء الناس لم يسترجعوا كرامتهم” .
واعتبر المنجرة في مقاله أن الصراع العربي الاسرائيلي “صراعا بين من لهم قوة الحق على أرض فلسطين ومن لهم “حق” القوة في امتلاكها” (فلسطين) ، ولكن أيضا بين من لهم الشرعية التاريخية في اختيار الحاكم ومن لهم القوة في اختياره وفرضه واستصدار سلطة القرار من بين يديه” .
ويرى المنجرة أن الاشكال هو حينما يطغى “حق” القوة الذي تفرضه اسرائيل لاحتلال فلسطين على قوة الحق الذي بجانب الفلسطينيين والمتمثل أساسا في “حلم إسرائيل الكبرى” الذي انطلق كمشروع منذ أن قامت الحركة الصهيونية في أوروبا بتكوين مجموعات إرهابية “عشاق صهيون” من أجل إقامة دولة خاصة باليهود على أرض فلسطين الذي يعتبرونها أرض “الدولة التاريخية اليهودية”.
وحسب المهدي المنجرة فإن هذا الحلم تبلور بجلاء خلال المؤتمر الصهيوني المنعقد سنة 1897 ببازل حول “إقامة دولة يهودية” و بروز الحركة الصهيونية التي تبنت الحركة المسلحة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية مع اعتماد مبدأ فرض “حق القوة” على “قوة الحق”، كما جاء على لسان الحركة: “اليوم الذي نبني فيه كتيبة يهودية واحدة هو اليوم الذي ستقوم فيه دولتنا”. منذ بداية القرن 19 قام اليهود بتحديد استراتيجيتهم و صياغة خطط العمل لتحقيق حلمهم الذي انطلق مع “إعلان بلفور” سنة 1917، و قد نجحوا في ذلك، حسب المنجرة، معتمدين على “النظام الدولي الجديد” (صناعة مسيحية يهودية) الذي يعتبره المنجرة “فوضى دولية منظمة” وتمكنهم من السيطرة على المؤسسات المالية و البنكية و الاعلامية و السياسية و باقي الشركات الكبرى بالاضافة الى كون الصهاينة يجيدون و بحرفية عالية قل نظيرها في صنع الأفكار و تسويق البروبكندا”.
المنجرة كان دائما يحذر من اللوبي الصيوني وقوته و يلح على ضرورة الانتباه و التصدي له بكل قوة و حزم فبقدر ما تخنق الولايات المتحدة الأمريكية العالم و تحكم قبضته عليه، يحكم اللوبي الصهيوني قبضته عليها. ومن ثم “لن تجد أي تصريح لرئيس أمريكي يخلو من الالتزام بالدفاع على اسرائيل و حماية أمنها ولا يمكن لأي مرشح أمريكي أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة دون موافقة ومباركة يهودية صهيونية” .
و انطلاقا من كل هذه الاعتبارات رفض المنجرة رفضا قاطعا مسلسل السلام العربي الاسرائيلي و الفلسطيني الاسرائيلي و الذي اعتبره خيانة عظمى للقضية الفلسطينية و “مسلسل للاستسلام” و ليس السلام. يظهر موقفه هذا من خلال ما صرح به قائلا: “من الناحية العربية، هناك تسلسل في الاستسلام، فمنذ “كامب دايفيد” إلى الآن و العالم العربي يعيش خيانة من طرف القيادة العربية. اتفاق “كامب دايفيد” كان خيانة، “مدريد” خيانة، “أوسلو” خيانة…” ، محملا مسؤولية ما يحدث في العالم العربي للحكام و النخب السياسية و المفكرين وكذلك الشعوب. “في اليوم الذي تتساوى فيه حياة أمريكي و حياة إسرائيلي مع حياة أي مواطن من ساكنة العالم الثالث بصفة عامة، و حياة عربي و مسلم بصفة خاصة؛ سنقترب حتما من هذه الكونية التي يتبجحون بها…” إننا نعيش أزمة أخلاقية حقيقية تضاعف من الآثار السيئة لكل أنواع الذل، وهي ناجمة عن الفقر والأمية والمرض وغياب العدالة الاجتماعية الكاملة وخرق حقوق الإنسان. وحين تبلغ هذه العوامل جميعها الحد الخطر فإن مظاهرها تتجلى للعيان ويختل الاشتغال الاجتماعي وتكثر الانفجارات والعصيان المدني والحنق الجماهيري التي تؤدي إلى انفجار النظام. وآنذاك يتعلق الأمر بشرخ في الكرامة، وهذا ما أسميه “انتفاضة”…
وما يعيشه المغرب و الباقي البلدان العربية لخصه المهدي المنجرة رحمه الله في معادلة رياضية من ثلاثة عناصر :
إهدم الأسرة + إهدم التعليم + إهدم القدوات = التخلف
و لفهم سبب تخلفنا و إندحارنا ينبغي إسقاط هذه الكلمات المفتاحية على واقعنا ..
أولا- انظر إلى حال الأسرة..و الجهود الجارية لنسونة الذكور و ذكرنة الإناث و تدمير بنيان الأسرة ..
ثانيا-أنظر إلى حال التعليم و ما وصل له من إستحمار و تضبيع و تجهيل
ثالثا – أنظر إلى القدوات في المجتمع، فقد تم إزاحة و تهميش العلماء و النخب المثقفة و المبدعين حقا و الناجحين بالعمل و الجهد و عرق الجبين و صناع التقدم و الازدهار من منتجين و حرفيين و قوى منتجة.. و أصبح القدوات صناع التفاهة و اللهو و أصحاب ” الشطيح و الرديح” و مجتمع قدوته بهذه النوعية، مجتمع فاقد للبوصلة و لايرجى منه نفعا…
رحم الله المهدي المنجرة رسم خريطة لتخلف بلداننا ووضع حلولا لتقدمنا و خروجنا من قاع التخلف و الذل و الانحطاط ..و قد قال رحمه الله تعالى : “عندما اراد الصينيون القدامي ان يعيشوا في امان، بنوا سور الصين العظيم و اعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه ،ولكن !..
خلال المائة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات ! وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه ..! بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب.
لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس .. ! فبناء الإنسان .. يأتي قبل بناء كل شيء ، وهذا ما يحتاجه طلابنا اليوم ..
رحم الله الرجل و أسكنه فسيح جناته و حشره مع شهداء فلسطين …فقد قال عليه الصلاه والسلام” وَلَا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إِلَّا حُشِرَ مَعَهُمْ ” …
فما حدث في الأيام الماضية ينبغي أن يشكل خريطة طريق لتغيير هذا الواقع المدمر ، فقد أصبح من غير المقبول الاستمرار في اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني باسم “الشعوب العربية” ، فوقف مسلسل الاستبداد و الانحدار للخلف، و الارتماء في أحضان الغرب و الشرق، الخطوة الثانية في تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، لأن إقامة أنظمة حكم ديمقراطية في البلاد العربية، يقود إلى تحرير إرادة الشعوب و إحياء طاقاتها المعطلة، و توجيهها نحو بناء الداخل ، و أي تحول من هذا القبيل سيصب بالتبعية، في صالح دعم فلسطين و تحريرها من الاحتلال الصهيوني.. فمن المؤسف أن نرى أن شباب فلسطين يضحي بالغالي و النفيس دفاعا عن أرضه المحتلة، و دفاعا عن القدس و الأقصى، بينما يتم استقبال مجرم الحرب الصهيوني في عاصمة المرابطين و الموحدين، و التغني بالتعاون الاستراتيجي مع الكيان الغاصب ، و في ذلك تدنيس لتاريخ المغرب و المغاربة، الذين بفضل جهاد أجدادهم من الأمازيغ و المرابطين و الموحدين، إستمر الإسلام في الأندلس طيلة 10 قرون، و بفضل جهادهم في المشرق تم تحرير بيت المقدس من الاحتلال الصليبي، بل إن الناصر صلاح الدين الأيوبي جعل المغاربة من حماة إحدى أبواب القدس الشريف.. والله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…
*إعلامي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …