الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / واشنطن .. ومحددات الفوضى الدائمة

واشنطن .. ومحددات الفوضى الدائمة

د/حسن مرهج*
من الواضح أن ما تشهده مناطق شمال شرق سوريا، وتحديداً مناطق الحسكة والقامشلي، لجهة ممارسات قسد تُجاه مناطق سيطرة الدولة السورية، وكذا فرض حصار على المدنيين، ومنع وصول الطحين والمواد الغذائية إلى تلك المناطق، لا يعدو عن كونه سياسات أمريكية باتت واضحة المضمون والأهداف، حيال المشهد السوري بعموم جزئياته، في جانب آخر، فقد بات واضحاً أيضاً، أن الحرب الروسية الأوكرانية، وحالة الكباش بين موسكو وواشنطن، تُرجمت تصعيداً في شمال شرق سوريا، فضلاً عن إطلاق قطعان داعش من جديد، ومهاجمتها نقاط تابعة للجيش السوري وحلفاؤه؛ كل ذلك يعطينا مشهداً واضحاً حيال الملف السوري، والرغبات الأمريكية لإطالة أمد الصراع، عبر داعش وقسد، الأمر الذي يحتاج مقاربات جديدة، لقراءة الواقع السوري ومستجدات الحل السياسي، ومن زاوية ثانية، مقاربة الواقع التقسيمي والذي تحاول واشنطن فرضه، في عموم شمال شرق سوريا.
في العمق، فإن الوقائع التي تشهدها مناطق الحسكة في الشمال السوري، ترتبط بشكل مباشر بجملة التطورات الإقليمية والدولية، والتي جاءت أيضاً، بالتوازي مع رؤية الإدارة الأمريكية واستراتيجيتها الجديدة حيال الملف السوري، خاصة أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قد ابتعدت قليلا عن الملف السوري، لصالح سياسات ترامب لتأطير التنين الصيني، ومحاولة التقارب مع كوريا الشمالية،وكذا استهداف روسيا سياسياً على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ضمن ما سبق، لا يمكن الإنكار بأن شرق الفرات، يشكل ساحة صراع متشابكة، وبمعنى أدق، يمكننا القول، بأنه في عموم مناطق شمال شرق سوريا، وتحديداً شرق الفرات، هناك أربع جيوش، يحمل كل منها أجندات مختلفة، ومصالح متضاربة، وهنا نتحدث عن الجيش الأمريكي والروسي إضافة إلى التركي وكذا قوات الجيش السوري، وضمن ذلك، فإن تحصن القوات الأمريكية في تلك المناطق، والتي تحتوي ثروات الدولة السورية، وتقديم الدعم لقسد، والذين بدورهم يقومون بحماية مواقع القوات الأمريكية، وبذات التوقيت، تنتشر قوات روسية وسورية، إضافة إلى الفصائل التابعة لتركيا والتي تتشارك مع قسد حدود سيطرة واسعة تعتبر خطوط تماس مستمرّة الاشتعال. كل ذلك، يعطينا مشهداً واضحاً حيال مناطق شمال شرق سوريا، والتحديات والتعقيدات التي تحاول الإدارة الأمريكية فرضها على سوريا وروسيا، رغبةً منها بالوصول إلى تقسيم سوريا، وإفراغ نتائج الانتصار العسكري من مضمونه، وإمكانية الاستثمار به سياسياً.
في جانب مواز، فإن الولايات المتحدة، وعبر استراتيجيتها تجاه سوريا، فقد عملت واشنطن على إعادة ترتيب صفوف المعارضة السورية، وتشكيل جسد موحد معارض، يضم كافة الأطياف المعارضة، إضافة إلى قوات قسد، وذلك بهدف ضمان حضور وازن للمعارضة في المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة حيال اللجنة الدستورية، عن طريق توحيد الأكراد المنقسمين بين قسد التي يقودها حزب الاتحاد الديموقراطي، ذي الصلة الوثيقة بحزب العمّال الكردستاني، المصنّف على لوائح الإرهاب التركية، وأحزاب كردية أخرى لا تتمتّع بوزن حقيقي في الساحة الكردية، مدعومة من أنقرة كالمجلس الوطني الكردي، ودمجهم بالقوى المعارِضة التي تنشط من تركيا.
حقيقة الأمر، إن التوجه الأميركي الجديد تجاه سوريا، يُراد منه إبقاء الملف السوري، بعيداً عن مسار سياسي يُفضي إلى حل، دليل ذلك، التطورات المتسارعة في شمال شرق سوريا، والتي يمكن ايجازها وفق معطيات ثلاث، الأول، إعادة إحياء مشروع تدريب قوات كردية خاصة لحماية المصالح الأميركية، والثاني أعادت الولايات المتحدة تفعيل مشروع بناء فصائل وميليشيات خاصة تابعة لها لحماية مصالحها، الأمر الذي يفسر التدريبات والمناورات المكثفة التي تجريها بشكل مستمر في محيط المناطق النفطية في الشرق السوري، والثالث ممارسات قسد تُجاه مناطق سيطرة الدولة السورية في الحسكة، بالتوازي مع هجمات داعش بين الحين والآخر.
ختاماً، إن حالة الفوضى المتعمدة التي تخلقها الولايات المتحدة، في شمال شرق سوريا، ترتكز على محددات فرض أمر واقع على الدولة السورية وحلفاؤها، وإجبارهم على قبول قسد والفصائل المعارضة، ضمن سياق أي معادلة سياسية تُوصل إلى بلورة حل سياسي في سوريا، وبالتالي، فإن جُل سياسات واشنطن وأدواتها، تعد بمثابة فقاعة سياسية وعسكرية، تنتظر واشنطن ردود الأفعال السورية والروسية حيالها، ريثما يتم ترتيب المشهد الاقليمي، وانتظار نتائج الحرب الروسية الأوكرانية.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …