ريم عثمان*
مازالت الذاكرة الجمعية للشعوب العربية تحتفظ بذكرى قمّة الخرطوم عام 1967 وإن مضى عليها أكثر من خمسين عاما, لطالما كانت المرة اليتيمة التي اجتمعت فيها الأنظمة العربية على كلمة سواء في مواجهة عدوّ مشترك ممثلا بالمحتل الإسرائيلي ,والمرّة الوحيدة التي تجرأت فيها تلك الأنظمة مجتمعة على قول كلمة لا في وجهه , ولم تكن لا واحدة بل ثلاث لاءات دفعة واحدة “لا صلح , لا تفاوض ,لا اعتراف بإسرائيل, حتى عودة الحقوق لأصحابها”.
أي أنها وضعت شرطا للتراجع عن تلك اللاءات الثلاث بعودة الحقوق لأصحابها , فهل عادت تلك الحقوق بعد خمس وخمسين عاما ؟ أم أن تلك اللاءات سقطت بالتقادم وأسقطت معها الحقوق العربية كلها وعلى رأسها الفلسطينية ؟ نطرح تلك التساؤلات في ظل المعطيات الجديدة التي تشهدها الساحة العربية من تجريد للقضية الفلسطينية من الحقوق تدريجيا وانفضاض معظم الأنظمة العربية من حولها والتئامهم حول من كان ذات يوم عدوّا مشتركا وتهافتهم للتطبيع والسلام معه.
وللإجابة عليها نتتبع مسار مفاوضات السلام التي جرت بين العرب و”إسرائيل” منذ نكسة حزيران عام 67 وما شهده من حركة مدٍّ وجزر وصولا إلى صفقة القرن, وما تبعها من اتفاق أبراهام للسلام الذي كانت نتاج سياسة العصا والجزرة المنتهجة من أمريكا و”إسرائيل” مع العرب.
في أعقاب النكسة أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 242 الذي دعا “إسرائيل” إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حرب حزيران عام 67 واحترام سيادة أي دولة في المنطقة والاعتراف بها وسلامة أراضيها واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام في ظل حدود آمنة ومعترف بها بعيدا عن أي تهديدات أو تصرفات باستخدام القوة”. وعلى أساس هذا القرار انطلقت مفاوضات السلام برعاية الولايات المتحدة الأمريكية على مبدأ الأرض مقابل السلام ,بمعنى استعادة العرب لأراضيهم المحتلة في حرب الأيام الستة وهي الجولان السوري والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء, ,مقابل اعتراف العرب بوجود “إسرائيل”.
خطت مصر الخطوة الأولى على طريق السلام عام 1979 حيث اجتمع رئيسها آنذاك أنور السادات مع رئيس حكومة الاحتلال ,مناحيم بيغن في منتجع كامب ديفيد قرب العاصمة الأمريكية واشنطن بدعوة من الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ,انتهت المفاوضات بإبرام اتفاق “إطار السلام في الشرق الأوسط” الذي وضع خطة لإنشاء ” سلطة حكم ذاتي ” في الضفة الغربية وقطاع غزة على أن تتبع لاحقا بمحادثات الوضع النهائي .
في العام 1988 كانت الخطوة التالية من جانب المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر الذي تبنى وقتها قرارا بقبول التفاوض فقط على حدود الخامس من حزيران عام 67 والتخلي عن فكرة استعادة جميع الأراضي المحتلة عام 1948 ,فرحبت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغن بالموقف الفلسطيني هذا ودعت “إسرائيل” إلى التخلي عن رؤيتها غير الواقعية لـ”إسرائيل الكبرى” والتوقف عن ضم الأراضي ووقف الأنشطة الاستيطانية , وفي تلك الأثناء كان , الإرهابي اسحاق شامير رئيسا لحكومة الاحتلال فتعهد بعدم إعطاء الأرض مقابل السلام وبتعزيز الاستيطان وتوسيعه وتطويره رافضا الضغوط الأمريكية.
ثم في العام 1991 تراجع شامير عن تعنته بعد أن أغدقت عليه إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب الوعود والمغريات المالية ,فبدأت أولى محادثات رسمية وعلنية للسلام في العاصمة الإسبانية مدريد بين قادة رسميين ممثلين عن فلسطين المحتلة ,لكن من غير منظمة التحرير بناء على شروط شامير, وزعماء إسرائيليين ,وعلى أساس الأرض مقابل السلام ,لكن تلك الجولة فشلت وعاد شامير منها ليدشن مستوطنة جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
بعد عامين قبلت حكومة الاحتلال بالاجتماع مع منظمة التحرير الفلسطينية على طاولة المفاوضات التي جرت في مدينة أوسلو النرويجية بين رئيس حكومة الاحتلال اسحاق رابين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وانتهت بالتوقيع على اتفاقية أوسلو التي نصت على الاعتراف المتبادل بين “إسرائيل” ومنظمة التحرير مقابل انسحاب قوات الاحتلال على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة وإنشاء “سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة” لمرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على القرارين 242 و 338.
انتهت المرحلة الانتقالية التي نصّت عليها اتفاقية أوسلو دون أن يتم تنفيذ بنودها فبدأت مفاوضات جديدة في كامب ديفيد بين إيهود أولمرت وياسر عرفات ,عرضت “إسرائيل” الانسحاب من قطاع غزة والتنازل فقط عن أجزاء واسعة من الضفة الغربية، إضافة إلى منح أراض إضافية من صحراء النقب إلى الفلسطينيين على أن تحتفظ بالمستوطنات الرئيسية ومعظم أجزاء القدس الشرقية لكن تلك الجولة فشلت أيضا فاستأنف الفلسطينيون انتفاضتهم .
أطلق الرئيس الأمريكي بيل كلينتون محادثات إضافية في واشنطن والقاهرة ثم في مدينة طابا المصرية عام 2001 , أبدت خلاله “إسرائيل” استعدادها لقبول أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية لكن الفشل كان مصير تلك المحادثات أيضا.
وفي أعقاب هذا الفشل قدمت المملكة العربية السعودية خطة جديدة للسلام في القمة العربية التي انعقدت في بيروت عام 2002 تنص على ضرورة انسحاب “إسرائيل” إلى حدود عام 67 والسماح بإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وإيجاد “حل عادل” لقضية اللاجئين مقابل اعتراف الدول العربية بحق “إسرائيل” في الوجود.
وبعد عام واحد فقط وضعت اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة خارطة طريق تقترح أن تجري المفاوضات على أساس حل الدولتين ووقف الإسرائيليين للاستيطان مقابل وقف الفلسطينيين لانتفاضتهم ,يتبعها إنشاء الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة على أن يتم التوصل إلى اتفاقيات نهائية عام 2005 .
تبعها عام 2003 اتفاق جنيف الذي تنازل فيه المفاوض الفلسطيني عن “حق العودة” مقابل الحصول على معظم أجزاء الضفة الغربية ,أي تتنازل “إسرائيل” عن بعض المستوطنات الرئيسية لكنها تحتفظ بأخرى بالقرب من منطقة الحدود على أن يقترن ذلك بتبادل الأراضي بحيث تمنح “إسرائيل” الفلسطينيين أراضي في الداخل مقابل احتفاظها بأخرى في الضفة الغربية. وكذلك، نص الاتفاق على منح الفلسطينيين حق إقامة عاصمة دولتهم المرتقبة في القدس الشرقية على أن يحتفظ الإسرائيليون بالسيادة على الحائط الغربي من المدينة القديمة.
مضى العام 2005 موعد الحل النهائي وفق خارطة الطريق دون التقدم خطوة واحدة نحو السلام ورُحِّلَ الحل حتى العام 2008 وفق ما نص عليه مؤتمر أنابوليس المنعقد عام 2007 في أمريكا لاستئناف المفاوضات لكن العام 2008 على عكس التوقعات شهد شن المحتل عدوانا وحشيا على قطاع غزة الذي أطلق عليه اسم ” الرصاص المصبوب” بغية إخضاع القطاع لكنه انتهى بالفشل وأسفر عن توقف المحادثات حتى العام 2010 ,الذي أطلق فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما محادثات مباشرة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو اصطدمت بإنهاء “إسرائيل” العمل بالتجميد الجزئي للاستيطان ما أدى إلى انهيار المفاوضات .
وبعد سلسلة الفشل التي منيت بها محادثات السلام الفلسطيني الإسرائيلي أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2020 عن خطته للسلام التي باتت تعرف بـ”صفقة القرن” و التي تضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية على معظم الضفة الغربية المحتلة ، أي إقامة دولة فلسطينية بلا جيش ولا سيادة , على مساحة 70 بالمئة فقط من الضفة , تكون عاصمتها تحت اسم القدس لكن في أي مكان آخر لا علاقة له بمدينة القدس التي ستبقى موحدة وعاصمة لـ”إسرائيل” وتحت السيادة الإسرائيلية , على أن يربط عاصمة الفلسطينيين الجديدة بقطاع غزة نفق يكون بمثابة “ممر آمن”.
كما تسمح هذه الصفقة لــ”إسرائيل” بضم مابين 30 إلى 40 بالمئة من أراضي المنطقة “ج” والتي تشكل 61 بالمئة من مساحة الضفة وتخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية , ما يستلزم موافقة سلطات الاحتلال على أي مشاريع أو إجراءات فلسطينية فيها , مع تجميد مؤقت للنشاط الاستيطاني لمدة لا تتجاوز الأربع سنوات وهي الفترة الممنوحة للجانب الفلسطيني كي يقرّ الدخول في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي لتطبيق الخطة. واعتبر ترامب تلك الصفقة “الفرصة الأخيرة للفلسطينيين”.
فهل هي فعلا الفرصة الأخيرة للشعب الفلسطيني كي يتمتع بالسلام الدائم تحت سقف دولة عربية فلسطينية ؟ وأي فرصة تلك التي سيستغلها الفلسطينيون إن كانت تتحدث عن دويلة صغيرة منزوعة السيادة والسلاح غير قابلة للحياة ؟ وماذا بقي من قضيتهم إن كان مطلوب منهم أن يتخلوا عن استعادة الأرض وحق العودة وعن مدينة القدس عاصمتهم التاريخية ؟
وإن لم يقبل الفلسطينيون بخطة ترامب للسلام فما هي الخيارات التي بقيت أمامهم بعد أن فكّت الأنظمة العربية طوق لاءات الخرطوم الثلاث وأصبحت النعم بالجملة بديلا عنها وارتضت بتوقيع اتفاقيات سلام ثنائية على مبدأ الأرض مقابل السلام كما في كامب ديفيد مصر ووادي عربة الأردن, وعلى مبدأ السلام مقابل السلام كما في اتفاقية أبراهام التي ضمّت كل من الأمارات والبحرين والمغرب إلى جوقة “إسرائيل” بعد أن أثارت شهيتهم الجزرة فارتضوا بأكلها وتركوا العصا لمن عصا السياسة الصهيو- أمريكية ؟ وهاهي تلك الأنظمة تكتفي اليوم بعدِّ تلك العصيّ التي تطال الشعب الفلسطيني الذي تسيل دماءه على أعتاب المسجد الأقصى المبارك في شهر رمضان المبارك دون أن تحرّك تلك الأنظمة العربية المسلمة ساكنا.
يبدو أن الخيار الوحيد أمام الشعب الفلسطيني هو المقاومة وإن حاولت “إسرائيل” ومن خلفها أمريكا ومن أمامها الأنظمة العربية تسكيِنَ حراكه المقاوم إلاّ أنه سيبقى مسلّحا بالكلمة والحجر وبعض ما تيسّر من سلاح يمدّه به محور المقاومة ,منطلقا من إيمانه بـ”وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله” لمقاومة هذا المحتل حتى استعادة حقوقه المغتصبة وتحقيق سلامه المنشود غير المنقوص , بدليل مقاومته للعدوان الأخير الذي يشهده الأقصى مقدما الشهداء والجرحى قربانا على مذبح النصر والسلام, فسلام لأرض خلقت للسلام وما رأت يوما سلاماً.
*كاتبة سورية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر