الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / الأزمة الأخلاقية لعالم اليوم!

الأزمة الأخلاقية لعالم اليوم!

خالد شحام
باستخدام بعض البصيرة وألم القلب يمكن القول بأن عالم اليوم يشبه خزانا أو مرجلا حبست فيه الإنسانية وأضيفت لها أزمة كورونا وأزمات الحروب وأزمات القمح والغذاء والطاقة والبترول والتجويع والفقر والخوف ثم تم ايقاد النار تحت هذا الخزان الذي بدأ ينفث بعض البخار من ثقوبه الجانبية من فرط الضغط المحتبس بداخله ، عندما يسأل أحدهم عن سبب خروج البخار بهذا الشكل وهذه القوة فإن السؤال سيصنف في منزلة الحمق لأن السؤال الأكثر أهمية هو متى سيحدث الانفجار !
خلال الأسابيع القليلة الماضية شعرنا جميعا بألم كبير من سماع متتالية أخبار القتل التي تتجول شرقا وغربا ، نيرة وايمان ولبنى وأحداث القتل في مدرسة أو مطعم أو شارع أو اغتيال شيرين وجرائم الداخل الفلسطيني ومحاولات الانتحار كلها مجرد سلسلة متصلة من نسيج واحد متعدد الألوان والمشاهد مهما تباعدت المسافات ، وإن بدت بعض الجرائم واقعة في الإطار الاجتماعي لكنها في نهاية المطاف هي حصاد سياسات مقيمة ومسارات عالمية تعكس أثرها على الفرد في كل مكان .
خلال السنوات القليلة الماضية عاش سكان هذا الكوكب احداثا جسيمة وصدمات لا تقل في مفعولها الأخلاقي عن مجموعة كبيرة من قنابل هيروشيما ، خديعة كورونا والعسكرة التي رافقتها وطبقت على الشعوب لم تمض بسلام ، ارتقاء شخص مجرم وقذر مثل ترامب لسدة الحكم وتكريسه لروح العنصرية والكراهية ونشر الروح الترامبية لم يمض بسلام ، حروب الولايات المتحدة وأنهار الدم الجارية المتقاطعة من الشرق والغرب لم تمض بسلام ، التخويف من الجوع والفوضى وانعدام الأمان لا يمكن ان يمضي بسلام ، نحن نعيش في عالم أقل ما يمكن وصفه به هو الإجرام وغياب الرادع الأخلاقي أو الديني أو الوازع الفطري لصون النفس والروح ، للولايات المتحدة المثل الأعلى وربيبتها دولة الكيان المثل الأدنى في نهج القتل والجرائم ، عالم بأكمله يحكمه مجرمون وتترأسه عصابات مجردة من كل ضمير وقيمة وخلق فلماذا لا ينتشر القتل ولا يحتذي الأفراد بما يفعله الكبار ؟ ما يجري على المستوى الفردي هو انعكاس لما يجري على المقاس الأضخم والأكبر.
إن السؤال الأساسي هنا ليس لماذا تحدث هذه الجرائم ؟ وليس لماذا نحن في وسط حمى من القتل والعنف على مستوى العالم العربي ؟ إن السؤال الأساسي هو كم بقي من وقت لتتحول هذه المظاهر إلى الحالة الأساسية للمجتمعات والشعوب ؟ والسؤال الآخر لماذا تأخرت هذه المصائب في الظهور خاصة بعد ضخ كل عواملها داخل المجتمعات العالمية والعربية ؟
دعونا نحاول وضع بعض النقاط لتجتهد في تفسير ما يحدث :
1-إن السبب الأول هو أن الأجيال الجديدة تعيش في ( جيتو ) أو ( الماتريكس ) الخاص بها وتكاد تنفصم عن الواقع في وعيها ، هذا الجيتو أو الماتريكس الذي منحته تقنيات العصر من فضائيات وانترنت وخدمات الأجهزة الخلوية وتهيمن عليه قوى الأمن تضامن مع بعضه البعض وصنع الماتريكس التي تحقن عقول الأجيال بالوهم والخداع والتضليل المعيشي وترسم عالما لا وجود له على أرض الواقع ، هذا التصادم بين الوهم والحقيقة سرعان ما يتحول إلى الإصطدام النفسي والذي تنتهي خواتمه بالسلوك العنيف من الرفض والنبذ ومحاولة تحقيق الأوهام بالقوة العضلية والأداوت المتاحة .
2-غياب العدالة الاجتماعية وتنامي الشعور الداخلي لدى المواطن العربي بأنه وحيد في كل مصابه وكل قضاياه المعيشية ، وسبب هذا الشعور هو انسحاب مسؤوليات الدولة وتخليها عن دورها التنموي والأبوي والإرشادي والانتقائية في تطبيق القانون وتفصيله ليناسب حالات دون غيرها ، عندما يشعر المواطن أن الأمر متروك له في السراء والضراء فمن الطبيعي أن يتصرف وفقا لمنطق أخذ ال( الحق ) باليد وتطبيق القانون باليد وتطبيق العدالة الخاصة به بطريقته .
3-هنالك شعور بالخذلان وآخر بالخيبة وشعور طاغ بالعدمية والعبثية واستنفاذ كل الطاقات للوصول إلى نوع من تحقيق معنى وجودي للحياة ، يعيش المواطن او الشاب العربي حياته مثل ثور الساقية ، فشل عام في بيته وخارج بيته ، لا توجد انتصارات لا فردية ولا جماعية ولا حتى على صعيد الأمة ، لذلك من الطبيعي أن تكون قيمة الحياة أو الوعي بقيمة الإنسان الآخر شيئا ظرفيا وثانويا او غائبا من الأصل ودوافع الفشل تقترن دوما بالتحضير للجريمة.
4-هنالك اقتران طبيعي تلقائي بين انخفاض قيمة الإنسان وتصاعد النعيم الزائف او الترف ، في كل المجتمعات التي تغرق في درجات من الترف والمتعة الدنيوية غير المبررة أو المستحقة نتيجة الجهد والتعب نجد أن نسب الجريمة ارتفعت وأزهقت الروح بهدر ودون أي شعور بالذنب ، منهج الحرمان المدروس من قبل الدولة ومؤسساتها المرجعية يمثل مدرسة كبيرة لتهذيب الروح والنفس وتنمية قيمة الإنسان وتقديس مكانته وتعليمه قيمة الجماعة والأسرة والبيت والحاضنة الاجتماعية الطبيعية له ، كلما زاد نعيم الإنسان كما هبطت قيمة أخيه الإنسان في نظره .
5- في ظل منظومة نمو طبيعي لتطورالعالم تنمو الشرور والأشواك البشرية جنبا إلى جنب مع هذا التطور وتبقى المدرسة والجامعة وقطاع التعليم هو مقص التقليم الذي يهذب ويحسن ويزكي النفس البشرية ، في ظل هجمة هائلة على التعليم وعلى المستوى العالمي والعربي فقد الشباب خاصية التوجيه والتوعية والارشاد النفسي السليم ومصاب التعليم سيترجم فورا إلى الجريمة .
6- إن الحكومات العالمية والعربية تحديدا تتحمل مسؤولية كبيرة في تفشي الجريمة وارتفاع حدة العنف الداخلي الاجتماعي ، عندما استخدم النظام العربي ( الفلتان الداخلي ) كأداة هيمنة وتحكم ذاتي بالشعوب والمجتعمات وترك الناس تنهش بعضها وتأكل حقوق بعضها وتتلهى بإيذاء نفسها فمن المنطق أن نهاية هذا المسار ستؤول إلى تكون وباء اجتماعي من طبقات الزعران والعصابات وتحول السلوك الفردي إلى منحى الجرم تحت أبسط المبررات وهنا لن تنفع لا قوى الأمن ولا المحاكم ولا الحبس ولا العقوبات لأن الداء تحول إلى حالة مقيمة على صدر المجتمع .
7- إن السبب الأساسي الذي يمثل إطلاق الشر البشري بكل تفاعلاته وصيغه يتمثل في الحرب على الأديان والدين الإسلامي خاصة ، الأديان التي تجب الشر البشري وترقي وتزكي روح الإنسان وتسمو بها إلى أفضل المنازل ، هذه الحرب على الأديان نعيشها الان بكل تفاعلاتها الدافعة نحو التحلل والانحلال والتفكك من الروابط والمواثيق الدينية تمهيدا لإطلاق الوحش البشري أولا ثم تحطيمه بشهواته ونزواته ومتعلقاته الجديدة التي خلقت من ذاته ، عندما نسمع ونرى أن المثلية الجنسية أصبحت نهجا مطلوبا ونمط حياة مرغوب فلا عجب أن الجريمة سوف ترتفع قريبا جدا ، عندما نرى ونسمع قضية حقوق الإجهاض في بلد الحريات ودورها في تكريس العلاقات المحرمة واختلاط الأنسال فلا عجب أن الجريمة ستكون مولودا طبيعيا لهذه المحرمات والموبقات التي تجلب غضب الله على هؤلاء ، عندما تعلن الحرب على الأديان من خلال الممثلين والفنانين ويتحول هؤلاء إلى قدوة الأجيال فعلى البشرية أن تدفع ثمنا فادحا اسمه الجريمة وتفشي الرعب الداخلي منها .
العالم بأكمله يعيش في أزمة اخلاقية كبيرة ليست وليدة اليوم ، أزمة أخلاقية بدأت منذ جرى الدم البشري في فلسطين وأغمض العالم أعينه عنه ، أزمة أخلاقية بدات منذ جرى حمام الدم في سوريا وليبيا واليمن وتم حرق العراق وتصرف العالم وكأن شيئا لم يحدث ، مأساة اخلاقية دشنت بموتى البحر وغرقى القوارب المطاطية والممزقين على الأسيجة الشائكة لدول اوروبا ، أزمة أخلاقية منذ بدأت دولة مثل الولايات المتحدة تمنح دروسا في صناعة الإرهاب تحت مسمى مكافحة الإرهاب ، أزمة أخلاقية انطلقت مثل النار منذ سمح هذا العالم لنفسه بإشعال النار في أوكرانيا ووافق خطط الولايات المتحدة في شرورها ، أزمة أخلاقية حية وتعيش منذ لحظة الحرب الاولى على غزة ومشاهد العائلات المقتولة بأكملها أمام شاشات التلفاز وعيون الكاميرات العوراء ، هذه هي مبررات موجة الجنون التي تكتسح عالم اليوم وتلفح أرواح الأفراد والشعوب وتهدر قيمة الروح الآدمية ، كيف يمكن أن نتوقع ألا تقع الجرائم ولدينا نماذج من جنود يقتلون صحافية أمام العالم ويستمتعون بقتل طفل او إمرأة لكل يوم ، كيف يمكن ألا نتوقع الجنحة والجريمة والقتل وبلد مثل الولايات المتحدة تقتل كل يوم ألوف البشر وتمنح رخصة بالمثل لكل أنظمتها العميلة ؟ هذه هي سادتي أسباب ما ترونه وليس غير !
عالم اليوم الذي فقد العدل والحكمة والرشد وباع نفسه للشيطان وجعل من ترامب والنسخ المعدلة منه زعيما له هو عالم مصيره أشد سوءا ووبالا ، إنه عالم لا راحة فيه ولامتعة حياة ، إنه عالم خال من الفضيلة والرزق الحلال واللقمة السائغة والشربة الهانئة ، عالم ينتظر من يضع حدا لعذابه وضياعه وفقدانه لوجهة او هدف أو مسار ، عالم ضائع مهما كثرت أمواله ومهما تطورت تقنياته ومعداته ، لأنه دون روح ولا معبود ولا معبد ، دون رسالة ودون إنسانية ، إنه عالم يستصرخ المحرر ويستنهض العذاب كي يضع حدا لآلامه الطويلة .
إن المحرر الكبير لهذا العالم من البؤس والشقاء الذي ينتظره هو نحن ، نحن بمواقفنا وأفعالنا وقراراتنا وكلماتنا المستندة إلى ديننا العادل ووطنيتنا الثابتة ، نحن بمسكنا على جمر الثوابت والفطرة السليمة التي وضعها خالق الخلق في كل نفس بشرية ، نحن برفضنا لكل تنازل ليس عن الأرض والبلاد والحقوق بل برفضنا لكل تنازل عن معالم حياتنا وديننا وأصول الرسالة المحمدية.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …