الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / بين بناء الإنسان وحرق الأوطان!!

بين بناء الإنسان وحرق الأوطان!!

د.أسعد بدران
من البديهي أن يكون هدف أي ثورة هو بناء الوطن، ولكن لماذا تؤول محاولات الإصلاح أو التغيير في بلادنا العربية من سيء إلى اسوأ؟ فإما أن يكون العيب في حشد الجماهير أو في جماهير الحشد؛ وهذا يدفعنا إلى التدقيق أكثر في حكمة الغايات ومدى سلامة الإستراتيجيات وتوفر القيادات، وغير ذلك من أبجديات الكلام في تفاصيل مقومات الثورة.
وفي هذا المقال، أحاول الطرق على باب موضوع شائك كهذا بإعادة النظر في مفهوم الثورة نفسها؛ فهل هي مجرد خروج الشعب الى الشارع واندفاع الجماهير بأساليب عنيفة أو مسلحة بهدف تغيير كامل الأوضاع السياسة والاقتصادية والاجتماعية؟ وماذا عن المرادفات الأخرى من انتفاضات سلمية لإحداث إصلاحات سياسية وتعديلات دستورية أو مجرد احتجاجات مطلبية وهبات جياع وقتية ليس إلا؟
لا يروق لأغلب الناس الدخول في التفاصيل فضلا عن تحليل الأبعاد وتدقيق البحث في الجذور، مع يقيننا أن الشيطان يكمن هناك حيث تستقر العلة بأمان وازدهار، فليسقط النظام أولا وهذا هو المهم كما نظن، ثم يُبدأ الكلام بعد ذلك حول التفاصيل المملة أو أي موضوع آخر أقل أهمية. وهكذا كان الربيع العربي، ولكن عندما تمخضت التغييرات في أنظمة الحكم إلى ما هو معروف الآن، بدأت مقارنة سوء الأحوال الحالية مع سابقاتها لدرجة أخذت البعض شوقا إلى الأنظمة البائدة والتباكي حنينا إلى أيامها. ولنا أن نمسك طرف الخيط ونسجل الملاحظة الأخطر متسائلين؛ هل قدر الإنسان العربي أن يختار دائما بين السيء والأسوأ؟ ولماذا كان ولا زال حال هذا الإنسان غالبا من حال الأوضاع السائدة؟ فهو دائم الشكوى من الظروف ولا يتوقف عن لوم المحيط ولا يضيع فرصة لعن النظام سرا أو علانية.
إن أول عقبة تواجه التفكير في محاولة حل مشكلة الإنسان العربي مع واقعه تتمثل في ثقافة راسخة الأركان محورها؛ عادات قبلية المنشأ، ودين طائفي الأصل، شكلت بمجموعهما تقاليد متوارثة تأخذه بذات اليمين وذات الشمال، تتجدد وتتمحور مع كل مرحلة عمرية أو من بقعة جغرافية وأخرى، وفي كل أصبحت عاملا مهيمنا يصيغ مقولاته ويصبغ معاملاته. وهكذا نردد على ألسنتنا بين مناسبة وأخرى كلمات في غاية الجمال والإبداع والحكمة، ولكن لو طُلب منا التوقف عندها ولو بتأمل بسيط وقراءة أعمق لما يمكن أن تعنيه في واقع الحال، لما تردد أغلبنا بالهروب رجوعا إلى قلعة الأمان المعتادة، أو المجادلة والمراوغة رفضا يعبر عن تناقض، لا نريد أن نعترف بتغلغل وجوده على شكل إزدواج شخصية، يفسر ويشخص حال أمة تحتضر.
نزين ألسنتنا مثلا بمقولة “الدين المعاملة” ، ولكننا كفّرنا أمم الأرض شرقيها وغربيها لأنها على غير ديننا، ثم كفّرنا كل طوائف أمتنا الأخرى لأنها على غير مذهبنا، حتى كفّرنا بعضنا البعض لأننا اختلفنا بالرأي في أبسط المسائل. ألا نخجل من ذلك؟ ثم نتفاخر بالقول (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ولكن ليتنا اكتفينا بعدم الحب، فهي كلمة عيب في ربوعنا، ولم يعد يطيب لنا عيشا إلا بكراهية وتحاسد ونميمة، وبطريقة أصبحت كما لو كانت هي الأصل والناموس، فماذا بقي عندنا من الايمان؟
وننشد كثيرا (كما تكونوا يولى عليكم) انسجاما مع قول الحق جل وعلا (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ولكننا نصرُّ على لوم أحوالنا المزرية إلى غيرنا، فمن كان معارضا للنظام يرى الحاكم السبب الأوحد بكل معاناة صغيرة أو كبيرة، وأما المناصرين لا يترددوا لحظة في رمي المسؤولية على العدو الخارجي وعملاؤه المحليين. فهل أصبحنا فعلا قوما من العملاء بشهادة كلنا على جميعنا ولا يميزنا سوى هوية السيد القابع في القصر أو السفارة؟ لا أرى في هذا التساؤل مبالغة، فكل بالغ لم يسعى في استقلالية فكره وتفرد موقفه، يعتبر عاملا مدفوعا نحو أجندة غيره، لا يفرق انسان عن آخر سوى درجةٍ رماديةٍ تقاس بميزان اللاشعور في عقولنا الباطنة.
واذا أردنا لغة أفصح من ذلك، نجد أنفسنا في مواجهةٍ مع ما هو أفضح، فما يمكن أن تعنيه هذه الحقيقة في الواقع أوجع وأفظع مما يُقبل أو يُحتمل. فكل عاقل لا يسعى في تحرير ذاته من الانتماء العشائري الضيق والانتساب المذهبي الأعمى، يعتبر فردا مطابقا لأفرادٍ يشكلون بمجموعهم قطيعا، ولكن مسلحا بأدوات بشرية قابلة للتطور نحو التوحش العرقي، أو التحور بصورة جماعات الأخوة السرية والحزبية الميليشوية المغلقة. وهذه خيانة عظمى للأمانة الالهية (انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، يزول معها الاستغراب لوصولنا الى زمان يُقنَن فيه وباء التباعد الاجتماعي، ولم يبقى سوى قبولنا البلاء الملازم حتما، والذي يغلق الطريق أمام أي محاولة هروب من تحمل تبعات هذا الجرم المشهود (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال).
ولحسن حظنا أننا نعيش في مظلة نظام كوني لا يسعى الى الانتقام منا بل تعليمنا، فبعد تقصيرنا بالتي هي أحسن، كان لا بد من الوصول الى التعلم بالتي هي أخشن، ويكون الحاكم الظالم وبطانته الفاسدة في هذه الحالة، الوسيلة الإلهية لعقاب قوم على ظلمهم (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون)، وما ذاك إلا حصة تأديبية للتنبيه على أمل الصحوة والصلاح (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون). إن هذه النصوص تشير الى ما تم تراكمه داخل نفوسنا من مشاعر وخواطر وطموحات بخيرها وشرها، لا بد وأن تتجلى على أرض واقعنا بصورة أفعال وحقائق نسميها قضاء وقدر، ضمن أطر سنن كونية يتحقق من خلالها عدلا مطلقا، وإن خفي علينا (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا). فالحكمة الإلهية لا تعالج الأمور حسب نظراتنا القاصرة (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون)، ونفوسنا الناكرة للنعمة (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض)، أو حسب وعينا الباطني الأقرب الى الصبيانية (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا).
فهكذا إنسان يتعبط حمل أمانة الإستخلاف الإلهية مع ظلمه وجهله، من الأولى به التسليم لهذه الحكمة الحريصة على هدايته ومساعدته على تحرير ذاته من الدكتاتور الحقيقي القابع داخله بصلاحيات “إله” لا أقل (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)، من خلال ترويضه أولا، ثم السير به في طرق التهذيب والكمال، عله ينجح من خلالها في تتويج رحلته الأرضية المسمى دنيا بالوصول إلى ما هو أسمى وأبقى (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه).
فلماذا نتجنب مواجهة أنفسنا بالمصارحة والمحاسبة؟ هل نخشى شيئا ما؟ وحتى لو لم يكن ذلك على سبيل المحاكمة، أليس في طريق من عرف نفسه عرف ربه ما يغري كفاية؟ وهل أعطينا هذه الوصفة القرآنية (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) الفرصة؟ فما لم تُعرَف النفس على حقيقتها، ينقطع الوصل معها ويضيع صاحبها منها، فلا يرى له من كينونة سوى ما ظهر منها، فلا عَرَفَ ولا بصر ولا زكى، وقد خاب من دساها. وهذا هو سر عبادة الأصنام من الأسياد والأهواء حتى لو ظن المؤمن نفسه أنسك العباد، فمن الناس من يقولوا آمنا وما هم بمؤمنين ، وفي ألطف الأحوال، لا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، ولكننا وبطبيعة أنفسنا المراوغة (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) المزينة لسوء سرنا وقبح جوهرنا، نصر على رمي الشرك على كل آخر. هذه قصة ضياع الانسان ضمن تنافسٍ صاخبٍ على حطام العظام أمام موائد اللئام، وقد فرّغنا كل طاقة كامنة ومتحركة في سب ولعن كل من حولنا، بعد إنعدام أي إتجاه كان من الممكن أن يأخذنا لإصلاح داخلنا وذواتنا، فلم يعد لنا من وجود بدونها، سوى أشباح تافهة تائهة، ولاهثة خلف سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
ولكن القصة لم ولن تنتهي هنا، فهناك اعتراض لا زال وجيها، يشكك في جدوى إطلاق هذا المنطق على كل زمان ومكان، لأنه وببساطة يمكن أن يُفهم منه عبثية السعي إلى التغيير خارج إطار النفس مهما تعددت وتعقدت الظروف والأحوال، فهل هذا فعلا ما أُريد تسويقه هنا؟ بالطبع لا يمكن لعاقل أن يقول بذلك، ولكننا أردنا أن نقرر حقيقة لا مفر منها، وهي أن السعي لتغيير النظام الحاكم لا يمكن أن يكون غاية لذاتها مهما عظم الفساد، وإنما يبقى وسيلة من وسائل الإصلاح في مرحلة متقدمة لا بد وأن تفرض نفسها حينئذ بقوة، وبصورة لا يمكن أن يختلف عليها إثنان، والتاريخ يحدثنا عن ثورات مخلدة في ذاكرة الإنسانية، كان لها أكبر الأثر في إحقاق الحق وإبطال الباطل، بالرغم أنها لم تُكلَّل بالإطاحة برأس نظام، وليس بالضرورة أن يكون ذلك هدفا لأي ثورة، ولا أن يرهن نجاحها بتحققه؛ فكلمة حق أمام سلطان جائر أكبر ثورة، بل أي كلمة طيبة أو عمل صالح في أي موقف أيضا ثورة، ولا بد أن تأتى ثمارها ولو بعد حين، وقد سطر المسيح عيسى بن مريم ملحمة أسطورية بثورة قوامها لم يزد عن مجرد تفوه كلمات غيرت مجرى التاريخ، وهذا الحسين بن علي و عبدالله بن الزبير و سعيد بن جبير زلزلوا عروش طغاة زمانهم من خلال مواقفهم الفردية الثابتة على الحق. ورأينا عمر المختار والمهاتما غاندي والإمام الخميني ونلسون مانديلا، تكللت جهودهم بإنتصارات باهرة، حيث كانت قياداتهم بنزاهة وبمثال يُحتذى به، فرضت احترامها وتقديرها على الأعداء قبل الأصدقاء؛ لأن صوتهم كان يعبر عن إرادة وطموح قوم توحدت كلمته، وينسجم مع نبض شارع نضجت حركته.
فهذه أمثلة وبكل تنوعاتها، تؤكد أن الثورة الحقيقية، لا بد وأن تبدأ بتمرد داخل النفس لتحريرها مما يذلها من نزوات وأطماع، وأن يكون هدفها بناء الإنسان الفرد أولا، من خلال الانتصار للقيم والمثل العليا، ثم تبدأ الخطوات والمراحل بالتطور تدريجيا وتلقائيا نحو بناء الأسرة والمجتمع، فهذا هو الوطن المراد تحرره وتحقيق كرامته، حيث أنه في غضون ذلك، لا بد وأن تبرز مع الأيام قيادات لا يشك باستقامتها، وكوادر متميزة من الأفراد والمؤسسات، وتوجهات متعددة نحو الإصلاح، تتكاتف وتتراكم تجعل من التغيير على المدى الأبعد حتمية تستجيب لها الأقدار بالسمع والطاعة. فهل يصح القول بعد اليوم أن الناس على دين ملوكها؟
وللمبدع أحمد مطر كلمات تلخص قراءة مجلدات في هذا الأمر. فبعد أن استثقل شاعرنا، وهو لسان حال قومه، العمل بهذه الحكمة الإلهية وأسلوبها طويل الأمد في التغيير، حاول تجربة حظه بطريق أقصر:
قلت للجني : أبدل كل أصحاب الصروح الفاسدة
قال لي : مالفائدة ؟ سوف يأتي مثلهم أو ربما أكثر منهم مفسدة
إنما تختلف الأسماء لكن المعاني واحدة
قلت : ما الحل إذن؟
قال : بسيط
لو غدت آمالكم في ذاتكم منعقدة
وإذا لم تطلبوا من مارد تخليصكم من مرده
أيها الإنسي لا حل سوى أن تصبحوا ناس
فلن تعتدل القمة حتى تستقيم القاعدة!
وما نراه من واقع المأساة في بلادنا العربية، فهو من قبيل سعي شاعرنا اليائس، بعد أن رفض الجني الصالح مطلبه، إلى طرق باب الشيطان المترصد دائما لمد يد العون ولكنه، كما هو معروف عنه، لا يعطي دون مقابل، فعزه وسعادته بشقاء الإنسان، وهذه فرصته لتعزيز إنتقامه من بني آدم (قال أرأيتك هـذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا)، ومساعدته بسرعتها تبدو مغرية وسهلة المنال؛ فهي لا تختصر المسافات وتحرق المراحل فحسب، بل وتحرق كل مفهوم عرفته حكمة الإنسان ونطق به القرآن عن الثورة والتغيير، حتى لو كان ذلك يعني حرق الشعب المطلوب تحريره، وتدمير الوطن المطلوب تعميره!

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …