الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / زيارة الموت !!

زيارة الموت !!

د.عبد الله جودة*
الصين أكبر دولة من ناحية تعداد السكان وثاني دولة من ناحية المساحة، الاقتصاد الصيني يصعد تدريجيا لكي يتربع على عرش الاقتصاد العالمي، الحضارة الصينية إحدى أقدم الثقافات في العالم والممتدة لآلاف السنين، وفي صلب هذه الثقافة فنون الدفاع عن النفس والتي تهدف إلى التنمية الشاملة للفرد (خارجية كالقوة والمرونة، وداخلية كالطاقة والصحة، وفكرية وأخلاقية وتنمية الروح المعنوية) وعبر تاريخها الطويل وفي أغلب الأحيان لم تكن الصين معتدية على أي من الدول بل كانت حروبها دفاعية منسجمة مع جوهر هذه الثقافة.
تحاول أمريكا بكافة الوسائل أن تعيق تقدم الصين وان تحد من مشروع الصين العظيم المتمثل في تحقيق حلم مليار وربع المليار للشعب الصيني من رفاهية وحياة كريمة، مدعية أن الديمقراطية التي تنشرها أمريكيا في العالم هي الحل، وتكشف نانسي بيلوسي في مقالها الذي نشرته في الواشنطن بوست قبل رحلتها هذه عن الهدف الحقيقي وراء هذه الرحلة، مذكرة بما أقره الكونجرس قبل ٤٣ عاما متناسية المتغيرات التي حصلت على الساحات المحلية و الإقليمية والعالمية حيث تحدثت عن أحداث ساحة “تيان أن مين” ولم تأتي فقط لتتضامن مع ال ٢٣مليون صيني في تايوان فقط بل أيضا نصرة للمضطهدين في الصين، هذه المعزوفة الأمريكية التي تغنيها كلما ارادت تخريب دولة في العالم وان الصين تقيض الديمقراطية في هون كونغ الجزيرة الصينية التي استعادتها من بريطانيا عام ١٩٩٨ ولم يحدث عليها اي تغير سياسي او اقتصادي وتطرح بيلوسي الخيار الاهم بين الاستبداد المتمثل بالصين او الديمقراطية المتمثلة بأمريكية.
ماذا تريد امريكيا من الصين وما هو الغرض من تلك الزيارة.
نستطيع معرفة ذلك بوضوح من خلال تصريحات وتحركات المسؤولين الأمريكيين، في تصريح لوزير الخارجية الاميركي بلينكن “الصين هي الدولة الوحيدة التي تمتلك القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتحدي النظام الدولي المستقر والمفتوح بجدية”.
“الصين التي تعدّها واشنطن أكبر تهديدا للهيمنة الأميركية على العالم” يخاف الأمريكيون من مستقبل تسيطر فيه الصين على أكثر من50 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إذا لم يتم احتواء قوتها العسكرية. ويتوقع أن تصبح الصين مركز الاقتصاد العالمي والمهيمنة عليه، وأن تصبح عملتها العملة المهيمنة في العالم.
تريد أمريكيا أن تعيق تقدم الصين نحو القمة وأن تظهر الصين بمظهر المعتدي والمعادي للحريات والديمقراطية بعد أن استطاعت الصين ان تكسب احترام الشعوب في العالم وأن تقيم علاقات دبلوماسية دولية متميزة مع كثير من الدول حول العالم. ومشروعها العالمي “الحزام والطريق” يسير بخطوات ثابتة إلى الأمام وان العالم أجمع أصبح يقارن بين ما تقدمه الصين للعالم من مبادئ “العيش المشترك” “التنمية المستدامة” “الفوز المشترك” وخير دليل على ذلك عدم تدخل الصين في الشؤون الداخلية للدول، وموقفها من جائحة كورونا المتمثل بدعم الدول الفقيرة وموقفها من قضية المناخ، بالمقابل ما تقدمه أمريكيا من خراب ونهب ودمار في إي مكان تتواجد فيه، والعالم أجمع شاهد العصابات الأمريكية تستخدم البلطجة أثناء الجائحة للاستيلاء على معدات طبية والانسحاب من اتفاقية المناخ ومبدأ أمريكا أولا.
أدت الزيارة التي قامت بها رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لتايوان إلى تصعيد كبير في الصراع الأميركي مع الصين حيث تدعي الدفاع عن الديمقراطية، نعم صحيح فأمريكا دولة تدافع بل توزع الديمقراطيات في أرجاء الكرة الأرضية بدأت حقبتها الوردية اللون دموية الطعم في فيتنام وخرجت منها تجر ذيول الهزيمة والعار على أيدي أبطال فيتنام الثوار، وتمر الأيام لتذهب إلى العراق مدعية نشر الديمقراطية وتحرير الشعب العراقي والجميع يعرف ما حل بالعراق وكمْ من ثروات العراق بتاريخه وارثه المجيد دمر على أيدي رجال الديمقراطية الجدد لم تنته القصة بعد غزت القوات الأمريكية أفغانستان وبعد عشرين عاما من الديمقراطية المزعومة خروج مذل على أيدي الطالبان.
أينما حلت أمريكيا يحل الدمار والخراب، حروبا أخرى في شتى بقاع الأرض لم تكن إلا بغطاء أمريكي تحت ذريعة الديمقراطية ديمقراطية أمريكية في العراق ديمقراطية أميركية في أفغانستان ديمقراطية أمريكية في ليبيا ديمقراطية أمريكية في اليمن والآن ديمقراطية أمريكية في تايوان وهنا تكمن المفارقة دخلت أمريكيا عش الدبابير ولن تخرج منها سالمة فالرد الصيني لن يكون له مثيل، الصين والصينيون يدرسون ويزنون أمورهم قبل الإقدام على آي من تصرفاتهم الخطوات الصينية مدروسة بعناية فائقة فهل جاء وقت التنفيذ، وهل تكون زيارة الموت التي قامت بها بيلوسي هي الصاعق المفجر لهذه القنبلة الموقوتة، فالمعرف عن الشخصية الصينية شديدة الحرص والالتزام بما تقول وتقوم بتنفذه، حذرت الصين من هذه الزيارة مرارا وتكرارا ولم تستجب أمريكا لأنها تريد أن تورط الصين في حرب إقليمية تحد من نموها الاقتصادي وتطورها الجيوسياسي.
قال الزعيم الصيني “شي جين بين” في خطابه بالذكرى المئوية للحزب الشيوعي الصيني “لن يسمح الشعب الصيني أبدا لأي قوةً أجنبية التسلط علينا أو قمعنا أو استعبادنا، من يفكر بذلك بهذه الطريقة سيواجه حمام دمٍ في وجه صور الصين العظيم الفولاذي المصنوع من اللحم والدم من قبل أكثر من مليار وربع مليار صيني.
هذه رسالة بالغة الوضوح لأمريكية ومن يدور في فلكها أن الصين لن تقف مكتوفة الأيدي ان تم الاعتداء عليها، لذلك نتوقع أن تكون ردود فعل الصين على زيارة الموت تلك ردود مدروسة بشكل كبير، وسوف يتفاجأ الأمريكان أن الصين مستعدة لمواجهة تخرج منها منتصرة تزيد من مكانتها الدولية على الساحة العالمية التي كانت دائما حكرا على أمريكا فقد انتهى عصر تسيطر فيه أمريكيا على العالم دون محاسبة، لقد انتهي عصر العربدة الأمريكية دون رجعة، قد لا يكون هناك حرب مع تايوان ليس لان الصين غير قادرة بل لأنها لا تريدها فهي تعمل على استرداد الجزيرة بالطرق السلمية ولا تريد حربا تعيق تربعها على عرش الاقتصاد العالمي.
ننصح أمريكا ان لا تلعب مع الصين بتلك الأدوات القذرة المستخدمة في أماكن أخرى من العالم والتي تتشدق بها مثل حقوق الإنسان والديموقراطية والشفافية فالمشكلة ليست في هذه المصطلحات ولكن المشكلة في تعريفها ومن هو المسؤول عن تنفيذها فالزعيم الصيني الخالد دين شياو بيغ قال حول تبني فكرة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية قال “ليس المهم لون القط طالما يستطيع أن يصطاد الفأر” فلا يهم ان تكون ديمقراطيا أو شيوعيا ماركسيا أو لينيا لا يهم أن تكون علمانيا أو اشتراكيا طالما هذا الفكر وهذه العقيدة توفر الأمن والأمان والاستقرار والرفاهية للمواطن، قضية تايوان هي الأكثر حساسية للشعب الصيني وهي تمس الامن القومي الصيني وخصوصا اننا ندخل مرحلة حسم رئاسي لزعيم الصين الذي يسعى ان يخلد اسمه ضمن عظماء الامة الصينية في العصر الحديث بعد الزعيمين “ماو تسوي تونغ” و “دين شياو بينغ” ولن يجد فرصة اعظم من هذه ليثبت جدارته واستحقاقه بان يسجل اسمه ضمن هذه القائمة وان يمدد فتره حكمه بعد انتهاء دورتين استطاع ان ينجح في معظم الملفات الداخلية والخارجية بشكل كبير.
تسعى امريكيا لاحتواء الصين وتجيش الشعب الامريكي كافة خلف هذه القضية فاحد اهم الاهداف الجيوسياسية الأمريكية من هذه المواجهة هو خلق حالة وحدة للشعب الامريكي واستخدام الصراع العسكري وسيلة لضمان “الوحدة الوطنية” في البلاد، مهددة بالخطر الصيني الداهم والذي يحتاج إلى اتخاذ إجراءات وخطوات أمريكية طارئة وهذا ما حذر منه القادة في الصين من اللعب بالنار فهي سوف تحرق كل من يحاول العبث واللعب مع المقدسات الصينية. فهل تؤسس هذه الزيارة لموت الغطرسة الأمريكية وموت النظام العالمي القديم و موت مشروع تايوان الانفصالي ، يسفر عن ضم تايوان و توحيد جميع الأراضي الصينية وبالتالي نظام عالمي جديد.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …