الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / القائد الشجاع المرفوع الهامة حيّا وميّتا

القائد الشجاع المرفوع الهامة حيّا وميّتا

د. ماهر الطاهر*
في ذكرى استشهاده الحادية والعشرين نتذكر بكل فخر واعتزاز وشموخ قائداً ومقاتلاً فلسطينياً وعربياً، كان ولا زال وستبقى ذكراه ومأثره في عقولنا وقلوبنا، رجلاً من أصدق الرجال وأغلى الرجال وأشجع الرجال الفارس أبو علي مصطفى الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي اغتالته يد الغدر بقرار من المجرم شارون الذي اتخذ قراراً في المجلس الوزاري المصغر في الكيان الاسرائيلي للتخلص من الخطر الذي يمثله هذا القائد الذي يجسد نموذجاً للإخلاص والعطاء والتضحية والشجاعة والتحدي.
ففي يوم لا ينسى السابع والعشرين من اب عام 2001 وعلى أرض فلسطين المقاومة قصفت الطائرات الإسرائيلية مقر عمله في رام الله وارتقى بكل عنفوان شهيداً ليلتقي بغسان كنفاني ووديع حداد وجيفارا غزة وخالد ابو عيشة وأبو أمل وخليل الوزير وكل الشهداء.
عرفته الجماهير الفلسطينية والعربية على امتداد نصف قرن مقاتلاً صلباً عنيداً لا ينكسر ولا يتراجع أمام التحديات والمصاعب والمحن.
كان لقائي الاول مع أبو علي مصطفى عام 1972 في بيروت وكان نائباً للأمين العام الدكتور جورج حبش وكان عمره 34 عاما وعمري 19 عاما، وفي هذا اللقاء حيث كنا نحضر اجتماعاً للجنة المركزية العامة للجبهة، كان الحديث سريعاً عن المقاومة وعلى الوضع في لبنان ووضع الثورة الفلسطينية بعد الخروج من الأردن. وشعرت أنني أمام إنسان يدخل إلى القلب بسرعة متواضع إلى أبعد الحدود ويمتلك كاريزما قيادية تترك أثراً عميقاً لمن يلتقيه لأول مرة وشعرت بالإعجاب والتقدير لهذا الانسان منذ اللقاء الأول.
بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 انتقل المركز القيادي للجبهة من بيروت الى دمشق وتسلمت مسؤولية جديدة كأمين سر للمكتب السياسي للجبهة وفي تلك المرحلة منذ أن تسلمت هذه المسؤولية أصبحت على صلة يومية مع الأمين العام الدكتور جورج حبش ونائب الأمين العام أبو علي مصطفى حيث كنا نعمل في مكتب واحد وأستطيع القول انني تعرفت على أبو علي بشكل وثيق عبر سنوات طويلة تشكلت خلالها علاقة صداقة وليس علاقة عمل فقط. وعرفت هذا الانسان وهذه القامة الوطنية الكبيرة ومكونات شخصيته الفذة.
أستطيع القول ان أبا علي انسان منظم في عمله إلى أبعد الحدود بسيط ويعمل ساعات طويلة قبل الظهر وبعد الظهر وكان أول من يحضر إلى العمل وآخر من يغادر ولا يتعامل مع رفاقه إلا بكل محبة وتواضع ويشعر الرفاق العاملين معه أننا أسرة وعائلة واحدة في إدارة العمل، يحمل درجة عالية من الدفء بعلاقته مع رفاقه، الأمر الذي يجعل كل الرفاق يعملون بحماس وقناعة ورغبة شديدة في إنجاز المهمات وليس مجرد تنفيذ واجبات ومهام بشكل روتيني، إنما كفريق عمل وأسرة مناضلة تعمل من أجل تحقيق مبادئ وأهداف سامية.
وفي الوقت الذي كان يتمتع فيه بأعلى درجات التواضع والبساطة فقد كان حازماً ومتابعاً للعمل بأعلى درجات الجدية والحرص على إنجاز المهام في أوقاتها المحددة وكان يتمتع بمناقبية عالية ويرفض أية امتيازات، زاهداً لا تغريه مظاهر الحياة، بسيطاً في طعامه ولباسه وأتذكر عندما أصبح أميناً عاماً للجبهة بعد التنحي الطوعي للقائد المؤسس المناضل العربي الكبير الدكتور جورج حبش، اتصل معنا معد برنامج بلا حدود في قناة الجزيرة السيد أحمد منصور طالباً إجراء حوار في الدوحة مع أبو علي مصطفى بعد تسلم موقعه كأمين عام وفي البداية حاول الاعتذار عن اللقاء لكن تم إقناعه بضرورة إجراء هذا الحوار لكي يطل بمهامه الجديدة على الشعب الفلسطيني ويطرح رؤيته وأفكاره واقتنع بالذهاب ولكنه طلب ان أرافقه في هذه الزيارة وسافرنا معاً وقبل السفر بيوم اتصلت به وقلت له نريد أن نأخذ مبلغ من المال كسلفة عمل في رحلتنا فقال لي إذا كانت التذاكر والاقامة على حساب قناه الجزيرة اطلب من المالية سلفة 50 دولار لكنني قلت له أن هذا المبلغ غير كافي وأخذنا سلفة 100 دولار.
عند استشهاده كنا في اجتماع للمكتب السياسي في حلقة الخارج و فوجئنا بأحد الرفاق يدخل بشكل مفاجئ ويقول أن هناك خبراً تناقلته وكالات الانباء بأن طائرات إسرائيلية اغتالت أبو علي مصطفى، شعرنا بصدمة شديدة وأوقفنا الاجتماع وخرجنا من الغرفة واتصلنا مع رفاقنا داخل الوطن وتأكدنا من صحة الخبر المؤلم، انتابنا مشاعر حزن عميق وكانت مفاجأة وصدمة شديدة، لم يكن قائدنا فقط وإنما كان بالنسبة لنا الصديق والاخ والرفيق الذي عملنا معه سنوات طويلة حافلة بالأحداث والذكريات وبدأت تنهال علينا الاتصالات من سوريا ولبنان والاردن وفلسطين والعديد من بلدان العالم شعرنا بحزن عميق وشديد وبنفس الوقت مشاعر غضب وتحدِ باننا يجب ان نرد ونثأر لشهيدنا الكبير ولكل شهداء شعبنا.
وفعلا جاء الرد مدوياً من رفاقنا الابطال على ارض الوطن وقبل مرور أربعين يوما تم الرد بتصفية وزير السياحة الصهيوني المتطرف رحبعام زئيفي.
لا شك أن القرار الاسرائيلي وعلى أعلى مستوى باغتيال أبو علي مصطفى كان ناجماً عن متابعة ورصد دقيق للدور الكبير الذي يلعبه هذا القائد الاستثنائي على أرض فلسطين بعد عودته إلى الوطن سواء دوره على المستوى الداخلي في تصليب أوضاع الجبهة الشعبية والبناء التنظيمي والكفاحي، أو على المستوى الوطني ضمن إطار فصائل الثورة الفلسطينية، ولذلك أدرك الكيان الاسرائيلي أهمية وخطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا القائد الكبير فتم اتخاذ القرار وأعلن شارون مباشرة بعد عملية الاغتيال بأنه تم التخلص من شخصية خطيرة.
خرجت الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948 وفي الضفة والقطاع والقدس وسوريا ولبنان والاردن وكل مواقع اللجوء والشتات والمنافي البعيدة بمسيرات وتشييع رمزي وإقامة مجالس عزاء لهذه القامة الوطنية والقومية العربية الكبيرة لأنها كانت تدرك حجم الخسارة التي أصابت الشعب الفلسطيني وأحرار العالم.
لقد توهم الكيان الصهيوني أنه باغتيال الشهيد أبو علي سوف يتم إضعاف الجبهة الشعبية وتحجيم دورها، ولا شك ان استشهاد هذا الرمز الكفاحي الكبير قد شكل ضربة مؤلمة وموجعة للجبهة الشعبية ولكن هذه الضربة لم تُضِعف الجبهة الشعبية بل زادتها قوة وإصرار على مواصلة الكفاح والمقاومة وهذا ما أكدته مسيرة السنوات العشرين التي أعقبت عملية الاغتيال الجبانة والغادرة.
عهداً أيها القائد وفي الذكرى الحادية والعشرين لاستشهادك نجدد العهد، عهد الرجال للرجال بأننا سنواصل مسيرة الكفاح والمقاومة حتى تحقيق كامل الأهداف والمبادئ التي ناضلت وقضيت في سبيلها وستبقى في ذاكرتنا وذاكرة شعبنا وأمتنا الى الابد.
*مسؤول العلاقات الدولية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …