الجمعة , أكتوبر 7 2022
الرئيسية / اراء / أبعاد الحرب الروسية الأوكرانية

أبعاد الحرب الروسية الأوكرانية

السفير. نايف القانص
لنضع أمامنا من جديد خريطة العالم ونقرأ المتغيرات الدولية بمنظور جيوبولتيكي ما بين انتصار الأطلسية في الحرب الباردة على الإتحاد السوفييتي ونظرية فوكو ياما (نهاية التاريخ ) الذي أطلقها في مقالته الشهيرة بعد انهيار الإتحاد السوفييتي One Word (العالم الواحد) والتخلص من كافة أشكال الجيوبولتيكية، ونظرية “هنتينغتون” المعبر عنها في مقالته “صدام الحضارات” الذي اعتبر انتصار الأطلسية الظاهري على الكوكب الأرضي بأسره واعتبار انهيار الإتحاد السوفييتي بزوال آخر حصن للقوى القارية، لا يلمس من الناحية الواقعية إلا القشرة السطحية للواقع.
وباعتبار أن “فوكو ياما وهنتينغتون” قد رسما صيغة الأطلسية الجديدة بمنظور الحزبين المتناوبين على الحكم في أمريكا ، ومع أن نظرية هنتينغتون هي الأقرب للواقع وتلامس خطورة المتغيرات وتقدم نصائح للحفاظ على التفوق الأطلسي ، ومن الصعب تحقيق رؤية فوكو ياما في عالم واحد والثنائية الكونية للقوى البحرية “التالاسوكراتيا” ( المعززة بالأيروكراتيا والأثيروكراتيا) لتبقي التيلوروكراتيا ( القوة البرية) هي الأهم في واقع المواجهات الروسية مع الغرب اليوم، ففي تقرير للأمريكي بول ولفوفتس (مستشار الأمن القومي) لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية في آذار 1992 حول ” ضرورة الحيلولة دون ظهور قوة استراتيجية في القارة الأوروبية أو الأسيوية يمكنها أن تقف في وجه امريكا” ويجري التوضيح فيه بأن القوة الأكثر احتمالاً هي روسيا ومن الضرورة إقامة (نطاق صحي) في وجهها على أساس دول البلطيق*، وهنا يلامس الإستراتيجي الأمريكي الواقع ويخالف رؤية هنتينغتون الذي يرى أن الصين والدول الإسلامية (إيران والعراق وليبيا) الأكثر خطورة وعداء للغرب.
ومع أخذ أمريكا بكل الرؤى الأطلسية وقيامها بضربات وقائية ضد العراق وليبيا وحصار إيران والحد من تفوق الصين الإقتصادي ، وتمدد الناتو داخل دول البلطيق، المناقض للمشروع الروسي ورؤية دوغين والمهدد لأمن روسيا ونسف مشروعها.. الأمر الذي دفع روسيا للقيام بضربة استباقية وقائية سياسية وعسكرية من خلال إعلان استقلال دونيتسك ولوهانسك عن أوكرانيا واعتراف روسيا رسميا بهما وتقدمهما بطلب حق الحماية من قبل روسيا، واعتبرت روسيا ذلك فرصة مواتية للقيام بضربة استباقية للدفاع عن أمنها القومي وهو ما يتطابق مع الرؤية الروسية التي تعد الأوراسية واحدة من أهم محددات السياسة الخارجية والتي رسم ملامحها المفكر الجيوبولتيكي “الكسندر دوغين” والقائمة على إسقاط القطبية الواحدة والتأسيس لعالم متعدد الأقطاب بحيث تكون الأوراسية نسخة بديلة أو متعددة الأقطاب للعولمة ومضمونها الرفض للنموذج الوسطي المسمى “ضواحي العالم”، لأن روسيا تعتبر الأوراسية أساساً ثابتاً معتمداً على قدرة روسيا في إنتاج رؤية ثقافية لنفسها مستمدة من وعي الإنسان الروسي.
فالمواجهة ليست روسية أوكرانية بل أطلسية أوراسية على الأرض الأوكرانية ، والأكثر ضرراً صراع مشاريع ومحددات لرسم جيوبوليتيكي جديد قائم على فرض القوة ، لأن الواقعية أصبحت المتحكمة في فرض السياسة العالمية مع انكفاء النظرية الليبرالية وبقية النظريات الدولية العالمية، ومع اشتداد الأزمات الإقتصادية التي ستسهم في تغير التحالفات ، فحرب الطاقة أحد أهم دعائم هذه الحرب الإقتصادية التي كانت أوروبا أحد أكبر ضحاياها ودخلت في المواجهة مجبرة، ومع استمرار الحرب وإطالة زمنها قد يدفع بالدول الأوروبية الكبيرة إلى تغيير سياساتها وتحالفاتها ، وستكون أمريكا وبريطانيا الأكثر تضرراً وخسارة من التحالفات الجديدة التي ستقودها روسيا وتتحكم في مجرياتها بثقة لأن كل الظروف تمشي في صالحها ، وكونها على رأس دول البريكس ووجود دول منتجة للطاقة ضمن الحلف إضافة إلى مشاريع جيوبولتيكية حضارية قوية مثل الكونفوشيوسية (الصينية) وطامحة سترى النور مثل الهندوسية والإسلامية (الإيرانية) والعلمانية ( التركية) وحضارة أمريكا اللاتينية والإفريقية وكل هذه المشاريع ترى أن مكانها هو مع انتصار الرؤية الاوراسية لأن الأطلسية هي العائق في تحقيق هذه المشاريع والوصول إلى عالم متعدد الأقطاب يتحقق من خلاله الأمن والسلم الدوليين القائمين على المصالح المشتركة.
نقلا عن صحيفة رأي اليوم

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

دعوا روسيا وشانها..اهتموا بفلسطين

رامي الشاعر* صرح المفوض السامي للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، نهاية الأسبوع …