مرام هواري*
للضيافة حدود….شعاراً كان كفيلاً بوضع البشرية امام تحدي كاد ان يكون هو الاصعب على مر التاريخ المعاصر، والذي من شأنه ان يحدد مصيرها الانساني والاخلاقي اللذان على ما يبدو تعطلا واصابهما التصدع بفعل الأزمات الطاحنة التي باتت تفتك بأساسات الدول وقيمها في المشرق والمغرب دون استثناء، نتج عنها تغييب لتلك الاعتبارات التي باتت ضحية الصراعات العالمية التي قادت العالم نحو منحدر من الفوضى ليغوص في وحل العنصريه المقيته والكراهيه التي تديرها المصلحة الذاتية، والتي بدورها عمّقت الفجوات ليس بين الدول فحسب وانما بين من تجمعهم وحدة العرق والدين واللغه، والتي من المفترض ان تكون السياج الحامي لهم، وهذا تماماً من رافق اللاجئين منذ ان بدأت رحلة شقائهم ونزوحهم عن اوطانهم التي تتقلب على جمر من الصراعات، كان الكرسي احد اهم اسبابها ليجدوها في يوم وليله خاوية على عروشها، فغادروها في رحلة شاقّة وطويلة لا يقوى عليها سوى خبراء البقاء على قيد الحياة هربا من جحيم فرض عليهم، يحملون على عاتقهم احلام صغيره وبسيطه تتسع لها الحقائب الصغيره التي رتّبوا فيها كل مستلزمات رحلة الموت تلك ليضعوها في زوارق الموت السيئة السمعة والصيت تتلخص في لقمة عيش وحياة كريمة وبيت رحيم وغد قد يكون افضل مما هم فيه، وكيف لا والغربة باتت اليوم اهون عندهم من عهد الدكتاتوريه والطواغيت.
وها هي اليوم تعود ورقة اللاجئين مجدداً الى الواجهه، لتشكل مادة سياسية دسمة اخذت مساراً تصاعدياً خطيراً، نتيجة لدعوات التحريض العنصرية بحقهم والتهديد الرسمي والشعبي بضرورة ترحيلهم باعتبارهم مشروع ارهابي محتمل ومجرم مرتقب، بل وغزو ومؤامره على الهيكل الديموغرافي لبلدانهم، حيث شكلت مؤخراً ورقة تأييد شعبيه وانتخابيه مربحه راهنت عليها الاحزاب الحاكمه والمعارضه على حد سواء.
فتحت شعار “الدفع او التدافع “، وبهدف الابتزاز السياسي ومن باب الحس الانساني يتم استغلال قضية اللاجئين ومقايضتها والاستثمار فيها، سعياً للكسب المادي وذلك من خلال حصول الدول المستضيفه على المساعدات الماليه الخارجيه المخصصه للّاجئين والتي تقدر بالمليارات بالاضافه الى وضع شروط لقبولها للّاجئين، كحصولها على بعض الامتيازات لرعاياها كإلغاء الحصول على تأشيرات للراغبين في الدخول الى دول الاتحاد الاوروبي مقابل تأمين الطعام والملاجئ للمهاجرين، ومع ذلك نجد اللّاجئين هناك يصارعون تلك الدول في سبيل الحصول على الرغيف، بل وتم وضع الكثيرون منهم امام خيارات احلاهما مرّ في عالم يخضع لحسابات المال اكثر من حسابات البشر، فإما ان يذهبوا الى الموت بقدميهم بإجبارهم على العوده من حيث اتوا غير آبهين بمن يلقي حتفه على يد النظام بعد ان فرّوا من بطشه، او ان يبتلعهم البحرالذي بات اليوم اكبر مقبرة للّاجئين، او ان يتم وضعهم في معسكرات الاعتقال التي يسود الفقر والبؤس في كل تفاصيلها بلا عمل اوتعليم، ناهيك عن إقحام المئات منهم كمرتزقه في حروبهم ليجسدوا بذلك قانون الغاب الذي بدا ينمو ويتضخم تحت عنوان التطرف والارهاب، جعلتهم يشعرون بأنهم يقفون على رمال متحركه وانهم والعداله الاجتماعيه خطان متوازيان لا يلتقيان.
فوسط هذا المشهد المأساوي تخرج علينا تصريحات عنصريه استفزازيه لملايين اللّاجئين وغير اللّاجئين من قبل مفوض الأمن والخارجية في الاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل” وهو ذاته من يسوق لنفسه انه قادم من قارة هي منبع الانسانية وواحة الديمقراطيه ومن خلف واجهة برجوازيه متحضره، بوصفه القاره الاوروبيه بالحديقة الجميلة والعالم الذي يقبع خارج تلك الحديقة بالأدغال، لنلمس بهذه التصريحات سمة الاستعلاء و العنصرية بأبهى صورها، بل والازدواجية والانتقائية في التعامل مع اللّاجئين التي تحضر حيناً وتغيب عن الواجهه احياناً اخرى، خصوصاً في تعامل الغرب مع لاجئي اوكرانيا.
فسرعان ما كشفت لنا الحرب الروسية على اوكرانيا التناقض الكبير والنفاق الدولي الذي بدا يطفو على السطح والذي جعلها تسقط في اول اختبار لمفهوم الانسانيه والتعايش والعداله الاجتماعيه، فلربما قد تعجز عن التصديق بأن ما توثقه الكاميرات يومياً من ملاحقة للّاجين والتنكيل بهم على حدودها بل ورفضهم فكرة اللجوء من اساسها هم ذاتهم من يتباكون اليوم على حقوق اللاجئ الاوكراني ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل إيوائهم و توفير كل سبل الراحة لهم، وكذالك هو الحال في بعض الدول العربيه اليوم والتي باتت تتنافس على المرتبه الدنيا في مجال الانسانيه والقيم والاخلاق والتي لطالما عانى في كنفها اللاجئين حيث التفنن في مضايقاتهم والتنكيل بهم واحراق خيامهم مرارا وتكراراً، ناهيك عن الحملات الشعواء التي تشن عليهم والسمفونيه الموحده التي بات يرددها الجميع بتحميلهم المسؤولية الكامله عن زحف شبح الجوع ورعب العتمة والفقر المبرمج الى بيوتهم رافضين ان يتقاسموا مع النازحين فرص العمل والغذاء والخدمات الاساسيه مع العلم بأن القاصي والداني يعلم تماما ان اشتشراء الفساد هو من نغص حياتهم ولكن لا احد يريد ان يجثوا على ركبتيه ويعترف بالذنب لندرك تماما بأن النظره الدنيويه للاجئين هي خلل اخلاقي خطير فنحن لا نطلب من احدا ان يصبح ملاكاً ولكن ما احوجنا اليوم لان نكون بشرا…….!!!
*كاتبة وناشطة في حقوق الانسان
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر