د.صبحي غندور*
بريطانيا التي تعاني الآن من تضخم إقتصادي كبير ومن ارتفاع في أسعار الطاقة والسلع الأساسية ومن رفع متصاعد لسعر الفائدة .. بريطانيا التي استقالت رئيسة حكومتها ليز تراس بعد ستة أسابيع فقط على وجودها في الحكم بسبب سياساتها الإقتصادية والمالية الفاشلة.. بريطانيا التي منها انطلق تعبير “واسب – WASP” والذي هو اختصار لجماعة “البيض الأنجلو سكسون البروتستانت” والذين منهم نشأت العنصرية الأميركية البيضاء… بريطانيا هذه سيحكمها الآن ريشي سوناك ذو الأصول الهندية، وهي ستكون المرة الأولى في التاريخ البريطاني التي يحكمها شخص من اصول غير أوروبية!
فما سبب هذا الأختيار من قبل “حزب المحافظين”؟!. حتماً ليس هو تخلياً عن العنصرية المتجذرة في المجتمع البريطاني، وليس هو نتيجة انتخابات شعبية كما حصل مع ظاهرة باراك اوباما في الولايات المتحدة، بل هو كان “خياراً بين أمرين احلامهما مرٌّ”. فقادة “حزب المحافظين” ادركوا حجم الأزمة الإقتصادية التي تعاني منها بريطانيا وعموم أوروبا الآن بسبب تفاعلات الحرب الأوكرانية وما هو قادم من ظروف إقتصادية أشد قساوة في موسم الشتاء، فجرى اختيار ريشي سوناك للتضحية به شخصياً في حال فشله بالمرحلة القادمة، ولحصد النتائج السياسية لصالح “المحافظين” في حال نجاحه المشكوك به أصلاً بسبب الظروف الراهنة. أمّا الخيار الآخر فكان الدعوة لأنتخابات شعبية مبكرة ستكون حصيلتها لصالح “حزب العمال” حتماً.
مراهنة “حزب المحافظين” هي الآن على تكرار ما حدث في تجربة باراك أوباما الذي جاء من اصول أفريقية واستطاع تعويم الإقتصاد الأميركي بعد التدهور الإقتصادي الكبير الذي عانت منه أميركا والعالم في العام 2008، لكنه لم يُغّير مما عليه المجتمع الأميركي من تأصل للعنصرية البيضاء. فإذا نجح سوناك في التعامل مع الأزمة الإقتصادية الراهنة فسيحصد “حزب المحافظين” أيجابيات ذلك في الانتخابات العامة القادمة بعد عامين، وإذا فشل سوناك في فترة حكمه سيكون قادة الحزب (الأوروبيين البيض) خارج دائرة المسؤولية المباشرة.
أما بالنسبة للسياسة الخارجية البريطانية، فلا يجب توقع أي تغييرات في مساراتها وبما هي عليه لعقود طويلة من التزام تام بالسياسة الخارجية الأميركية بغض النظر عن الحزب الحاكم في لندن أو واشنطن.
* مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر