د.طارق ليساوي*
الزلازل و الكوارث أقل ضررا بالإنسان و العمران، مقارنة بالمخاطر الناتجة عن تفشي الفساد بقطاع البناء والتعمير، و منح التراخيص و ضعف اليات المراقبة القبلية و البعدية ..” ، إلى حجم الفساد و التلاعب في قطاع التعمير و البناء و كما يقال ما خفي أعظم ، و لا تظهر هذه الاختلالات إلى وقت الأزمة و ساعة و قوع الكارثة ، فعند وقوع الزلازل و الكوارث الطبيعية بشكل عام تتعدد القراءات بين يد الله الخفية و حكمة الله الجلية ، و بين ما كسبت أيدي الناس ، ساعة سقوط عمارة أو فيضان واد أو انحراف قطار ، نسلم في بادئ الأمر بقضاء الله و قدره ، و نسلم بأن ما جرى مكتوب في اللوح المحفوظ، و لكن ما نلبت أن نشير بأصابع الاتهام لمن قصر و تسبب بشكل مباشر أو غير مباشر في وقوع مثل هذه الأحداث المؤلمة و المفجعة و المزلزلة..
فبعد انتهاء الصدمة الأولى وجرد عدد القتلى في الزلزال العنيف الذي ضرب جنوب تركيا، والذي تجاوز عتبة الـ 30 ألفا، مع أكثر من 80 ألف مصاب.. وأمام هذه الحصيلة الثقيلة، بدأ المسؤولون الأتراك في توجيه أصابع الاتهام نحو المنعشين العقاريين، حيث تم تسجيل انهيار بنايات حديثة العهد رغم القوانين والمعايير الصارمة في مجال البناء المضاد للزلازل.
و قد تابعنا طيلة الأيام الماضية الجدل الدائر في وسائل الإعلام التركية حول المبنى الوحيد الباقي في كهرمان دون أن يتأثر، و تظهر الصور الجوية بعض الابنية في المدن التركية التي تأثرت بالزلزال و هي مدمرة بشكل كامل و بعض الاحيان حي بأكمله. و في نفس الوقت هناك ابنية لم يحدث لها شيء و ضمن نفس المناطق.
و نتيجة لذلك، تطرق الإعلام التركي إلى موضوع الغش في البناء، لذلك فقد بدأت السلطات التركية بالفعل القبض على عدد من المقاولين للمباني للتحقيق معهم وانتظار التحاليل والدراسات التي ستجرى في المباني المهدمة والمتضررة بشكل كبير من الزلزال للكشف عن طريقة تصميم تلك المباني ومحاسبة المسؤولين عن إنشائها..
و المثير للانتباه في زلزال تركيا أن العمارات التي تم بناؤها من قبل وزارة الإسكان التركية TOKI لم تُهدم أي منها أو تتضرر او تتصدع بشكل بأن لا تصبح قابلة للعيش في العشر ولايات التي أصابها الزلزال ..
بينما العمارات التي تم بناؤها وأخذ التراخيص من البلديات كلها هُدمت بشكل لا يُصدق، و حتى فرق الإنقاذ ينشرون فيديوهات مندهشين ومتعجبين عن كيفية تفتت الإسمنت بسبب الغش و خلطه مع رمل البحر ومدى الشح في وضع الحديد في أساسيات البناء بسبب غلاء سعره في تركيا ..و قد تم إطلاق “هاشتاغ” على “تويتر” يطالب فيه الشعب الحكومة التركية بأن تكون وزارة الإسكان هي المسؤولة عن عمليات البناء في جميع الولايات ، وأن لا يترك الأمر لمتعهدي البناء الذين يتلاعبون في أروح الناس ..علماً أن من شروط البناء في تركيا و إعطاء التراخيص : يفرض و يشترط بناء الأبنية بشكل يطابق مواصفات الأبنية الصلبة المقاومة للزلازل وذلك منذ زلزال ١٩٩٩ في إسطنبول..
ومأساة تركيا وسوريا ليست بالبعيدة عن أراضينا المهددة جيولوجيا بالزلازل وغيرها من الكوارث الطبيعية الأخرى، وقد قدمت جردا في المقال السابق للزلازل التي عرفها لمغرب عبرالتاريخ، وكان أخطرها زلزال أكادير سنة 1960 الذي كبد أضرار بشرية ومادية، وكذا زلزال 1969 الذي ضرب كل البلاد وخلف عشرات القتلى و200 جريح، ثم الزلزال العنيف الذي هز مدينة الحسيمة في 24 فبراير 2004 وتسبب في مقتل وتشريد مئات السكان..
لكن الخطر الداهم ليس فقط الزلازل، فهناك أيضا عوامل التعرية والفيضانات والكوارث الطبيعية، ومخاطر أخرى من صنع الانسان كانهيار الأبنية نتيجة للغش في البناء أو نتيجة للتقادم وإهمال أعمال المراقبة والصيانة تقود لنفس المأسي والخسائر في الأرواح والأموال..
فأغلب المدن المغربية ولا سيما العتيقة تعرف انتشار ما يعرف ب “مباني الموت” وهي عبارة عن قنابل موقوتة ممكن أن تنفجر في أي لحظة و كلما تهاطلت الأمطار إلا و إزداد خطر انفجارها، فقبل 3 سنوات، قدرت إحصاءات رسمية عدد المباني المهددة بالانهيار في المغرب بأكثر من 43 ألفاً يقطنها حوالى مليون مواطن، منهم 23 ألفاً يسكنون في أحياء سكنية غير لائقة ولا تحترم الضوابط المعمارية وإجراءات البناء القانونية..
وتعتبر الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، المدينة التي شهدت خلال العقد الأخير أكبر عدد من حوادث انهيار المباني، أخطرها في يونيو/ حزيران 2014 حين قضى 17 شخصاً وأصيب عشرات بجروح راوحت بين خطرة وكسور مختلفة.
وكانت دراسة أجراها قسم التعمير في مجلس مدينة الدار البيضاء قدرت عدد المباني الآيلة إلى السقوط بأكثر من 2800 تسكنها حوالى 72 ألف أسرة، منها 1874 في منطقة درب السلطان الفداء، و905 في مقاطعات المدينة، و91 في عمالة مقاطعات عين السبع – الحيّ المحمدي.وأوردت الدراسة ذاتها أن حوالى 36 في المائة من هذه المباني تصنّف ضمن المساكن غير اللائقة، و40 في المائة ضمن المباني المشيّدة بطريقة غير قانونية.
وبحسب بيانات رسمية قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري إلى مجلس النواب في 17 يناير/ كانون الثاني الماضي، توجد 80 في المائة من المباني الآيلة إلى السقوط في المغرب في مدن ومناطق حضرية، و42 في المائة في المدن العتيقة…
وقد أضحت الانهيارات وسقوط الضحايا أموراً عادية في المغرب. ففي مطلع كل موسم أمطار يضع القاطنون في المنازل الآيلة إلى السقوط أيديهم على قلوبهم، خشية أن يكون مصيرهم الموت… وقد حاولت السلطات المغربية معالجة هذه الظاهرة و في هذا الصدد تم وضع ترسانة قانونية أهمها القانون رقم 94-12، و الذي أعطى المالكين والوكلاء حق إفراغ المنازل الآيلة إلى السقوط، لكن هذه الأليات التشريعية غير مجدية على صعيد التنفيذ. خاصة وان مثل هذه العقارات الآيلة للسقوط توجد في مناطق حضرية ارتفع فيها ثمن العقار بشكل ملموس..
ولم تجد السلطات حتى الآن حلولاً مقنعة تشجع السكان على مغادرة هذه البيوت، فكيف يعقل أن يترك مواطن بيتاً يؤوي كل أفراد عائلته، رغم أنه يهدد حياته مقابل تعويض لا يتعدى مائة ألف درهم (9400 دولار للأسرة)؟ وتيسير معاملات حصول هذه الأسرة المغادرة على قرض مصرفي يسمح بالحصول على شقة في السكن الاقتصادي التي تضم شققاً صغيرة جداً مقارنة بعدد أفراد الأسرة التي تُرحَّل، كما أن قاطني هذه المنازل يرفضون الخروج منها، رغم أنهم يدركون مخاطر البقاء فيها. ويتحجج بعضهم بعدم إمكان حصولهم على قرض إضافي لمبلغ مائة ألف درهم الذي تقدمه البلدية، أو عدم إمكان إفادتهم من أي قرض مصرفي بسبب تقدمهم في السن..
وحتى لا يتم وصفنا بالعدمية فالسلطات عملت على تقليص دائرة السكن اللائق ومحاصرته، فسياسة مدن بدون صفيح أصبحت تؤتي أكلها، ومدن كالرباط مثلا تم إفراغها من دور الصفيح تماما، نفس الأمر يسري على مدن أخرى، لكن ذلك لا يلغي أن قطاع التعمير والبناء أهم ورش يعتريه الفساد والمحسوبية والإثراء بغير سبب..
ففي دراسة رسمية تتعلق بخرائطية مخاطر الرشوة في قطاعي التعمير والعقار والتي تم تقديم نتائجها يوم الأربعاء 15 ماي 2019 بحضور رئيس الحكومة السابق السيد ” سعد الدين العثماني” ورئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة السيد ” محمد بشير الراشيدي” ، وسجلت الدراسة أن “الرشوة في قطاعي التعمير والعقار ظاهرة معقدة وتتخذ أشكالا وأبعادا مختلفة حسب السياق والإطار، الذي تمت فيهما، وكذا الدوافع المرتبطة بها”. وإذ عددت الدراسة وجود 101نوعا من مخاطر الفساد في قطاعي التعمير والعقار تشمل 4 مجالات أساس هي البناء والأشغال (57)، و التسويق والتوزيع(32)، والتخطيط الحضري( 7)، وإعداد الوعاء العقاري (5)، فإنها أبرزت أن الأشكال الرئيسية للفساد في هذين القطاعين تتمثل في “الارتشاء والابتزاز والغش والمحسوبية وتحويل الممتلكات أو الخدمات العامة”.
وقد سجلت الدراسة، في ما يتصل بأنواع ممارسات الرشوة والفساد، أن نسبة الغش تصل إلى 39 في المائة، تعادلها نسبة الرشاوى(39في المائة)، ويليهما الابتزاز ( 18في المائة)، فالمحسوبية بنسبة 4في المائة. ووفق نتائج ذات الدراسة، فإن الارتشاء وثمن البيع غير المصرح به، المعروف بـ”النوار”، يعتبر أهم أشكال الرشوة انتشارا. وذلك، وفق ما أفادته 78 في المائة من العينة التمثيلية الخاضعة للاستقراء ضمن البحث الميداني الذي أجري في إطار الدراسة (شملت 600مواطن ومواطنة).
ووقفت الدراسة على عزوف المواطنين عن التبليغ عن الضرر الذي يلحقهم جراء فرض دفع رشاوى، وهو ما برره المستجوبون ب”الخوف من المشاكل، التي قد تعترضهم أو المتابعة أو الاعتقاد بعدم جدوى ذلك في ظل اللاعقاب”.
أما عن أسباب استفحال الرشوة في قطاعي التعمير والعقار، فقد أوضحت الدراسة أعلاه أنها ترجع إلى ضعف آليات الحكامة والتتبع والمراقبة، ووجود نواقص وثغرات في الإطار القانوني والتنظيمي، فضلا عن صعوبة مسطرة التبليغ و الجهل بها…
لذلك ونحن ندرس مخاطر الزلازل والكوارث الطبيعية ندعو إلى زلزال سياسي يطهر الإدارة من الفاسدين والمرتشين، ويطهر قطاع البناء والتعمير عموما من المتلاعبين بمصائر الناس وأرواحهم وأموالهم، ودعم الشرفاء والنزهاء فبهؤلاء تبنى الأوطان و تعمر و بالنهاية لا يصح إلا الصحيح..
وعلاقة بالزلازل أذكر الزلزال السياسي الذي عرفه المغرب بعد حراك الريف وتحديدا بتاريخ أكتوبر 2017 عندما قام العاهل المغربي بإعفاء أربعة وزراء من حكومة سعد الدين العثماني في نسختها الأولى، وأبلغ عددا من الوزراء السابقين بعدم رضاه عنهم وحرمانهم من أي مسؤولية مستقبلا، كما أقال مدير المكتب الوطني للماء والكهرباء وعددا من المسؤولين الإداريين.
فتحقيق التنمية و لإقامة نموذج تنموي سليم و فعال و مثمر، يتطلب بكل تأكيد ايادي نظيفة ، و ربط المسؤولية بالمحاسبة و عدم التسامح مع الفاسدين ، و الفصل الواضح بين السلطان و التجارة ، و هذا الزواج الكاثوليكي تناولته في أكثر من مقال و محاضرة و شكل محورا أساسيا ضمن ثلاثية ” النموذج التنموي المنشود” ، بل إني اعتبرت المقاطعة السابقة لبعض المنتجات الأساسية و لانتخابات 2021 ، بمثابة رد فعل شعبي رافض لظاهرة زواج السلطة بالمال..فقبل نحو ثلاث سنوات و نيف، شهد المغرب انطلاق حملة شعبية لمقاطعة بعض المنتجات الأساسية ، وقد تباينت المواقف بين معارض للحملة و مؤيد لها، وبين من يقلل ويشكك في جدواها وفعاليتها، وبين من يعتبرها أداة فعالة لمواجهة الاحتكار و التضخم والإثراء بغير سبب…
وقد نجحت حينذاك حملة المقاطعة في تحقيق أهدافها، بدليل الشعبية التي حازتها الحملة والجدل الإعلامي والشعبي حولها في الداخل والخارج، بل تم انتقالها لبلدان أخرى، وقد قلت في حينه أن أغلبية الناس الذين شاركوا في المقاطعة، أنهم بهذا الفعل الحضاري البسيط، والرمزي يعبرون عن رفضهم لأهم معضلة تعوق تقدم البلاد والعباد، و هذه المعضلة عبر عنها العلامة “ابن خلدون” بزواج السلطان بالتجارة، فالجمع بينهما هو أس الفساد وسبب في خراب العمران..
ولطالما نادينا في مناسبات عدة بضرورة فصل التجارة عن ممارسة السلطة السياسية، وتصدر المناصب العامة.. فنحن لسنا ضد الغنى، ولكن ينبغي ان يكون الغنى بطرق مشروعة، واستغلال المنصب العمومي وما يتيحه من معلومات اقتصادية يصعب الحصول عليها من قبل رجال أعمال ومواطنين عاديين، الأمر الذي يقود لتحقيق مكاسب ومغانم غير مشروعة، وأغلب أثرياء المغرب و عالمنا العربي يمارسون السلطة السياسية، أو يرتبطون بأهل الحكم والسياسة، برابطة الدم والنسب والمصاهرة.. ولنا عودة لهذا الموضوع في مقال موالي إن شاء الله تعالى و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..
*إعلامي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق أسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة ..
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر