الإثنين , فبراير 2 2026
الرئيسية / اراء / سد فجوة الرعاية الصحية لتحقيق العدالة!

سد فجوة الرعاية الصحية لتحقيق العدالة!

د.مهند النسور*
يقترن الاعتقاد الشائع عن الأمراض غير السارية بكونها أمراض تؤثر فقط على سكان البلدان المزدهرة او الغنية فالحقيقة الكامنة وراء هذا الاعتقاد أكثر تعقيدا، فالأمراض غير السارية ليست مجرد أمراض تصيب النخبة او الاغنياء، بل تكاد تكون أزمة عالمية تمس حياة الناس في كل مكان، ولكنها تحمل عبئا أثقل على سكان البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل ، اذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية الى أن الأمراض غير السارية هي السبب الرئيسي للوفاة في جميع أنحاء العالم، حيث تودي بحياة حوالي 41 مليون شخص كل عام، فهي تسبب 74٪ من جميع الوفيات في العالم ، وهي ليست حصرا على كبار السن ، بل تعرض أكثر من 15 مليون شخص ممن تتراوح أعمارهم بين 30 و 69 عاما للوفاة “المبكرة” ومما يثير القلق حقا أن 85٪ من هذه الوفيات “المبكرة” تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
يتغير مشهد الوفيات المرتبطة بالأمراض غير السارية بوتيرة غير مسبوقة، فقد ارتفعت، الحصة العالمية لوفيات الأمراض غير السارية بين جميع الوفيات في الفترة بين 2000 و2019 من 61٪ إلى 74٪. وتتحمل البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل هذه الزيادة المقلقة بشكل غير متناسب، حيث يزداد عبء الأمراض غير السارية يوما بعد يوم.
في إقليم شرق الابيض المتوسط، على سبيل المثال، يفقد أكثر من 2.8 مليون شخص حياتهم بسبب الأمراض غير السارية، وتحتل أمراض القلب والأوعية الدموية الطليعة، تليها السرطانات وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة والسكري، ولا تودي هذه الأمراض بارواح البشر فحسب، بل تؤدي أيضا إلى تفاقم المزيج المعقد بالفعل من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والسياسية في منطقتنا.
ويؤدي غياب التغطية الصحية الشاملة في العديد من البلدان إلى تفاقم الأزمة، وغالبا ما يترك المرضى في معاناة مع الارتفاع الحاد في تكاليف العلاج، مما يعرضهم لمشاكل مالية خطيرة، اذ يتعرض الكثير منهم لما يعرف بالإنفاق ” الكارثي” بما يتجاوز 40٪ من دخل الأسرة. وغالبا ما يجد من يمتلكون ما يكفي لتحمل تكاليف العلاج أنفسهم مستنزفين ماليا، في حين يواجه من لا يستطيعون دفع هذه التكاليف احتمالات مروعة للوفاة المبكرة.
وتتجاوز التكلفة الاقتصادية للأمراض غير السارية نفقات العلاج، وكثيرا ما تؤدي إلى فقدان الإنتاجية، مما يعوق النمو الاقتصادي، على سبيل المثال، قدر البنك الدولي أن هذه الأمراض يمكن أن تكلف البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل 7 تريليونات دولار من الإنتاج المفقود بين عامي 2011 و2025 (بمعدل حوالي 500 مليار دولار سنويا ).
إن رحلة مكافحة الأمراض غير السارية مليئة بالتحديات والعقبات فإلى جانب التقدم غير الكافي نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة، هناك عدة حواجز تعوق الوقاية من هذه الأمراض ومكافحتها. وتعتبر التداعيات وخيمة ما لم نتخذ إجراءات حاسمة لعكس هذا الاتجاه، فسوف يهوي الملايين إلى خانة الفقر المدقع كل عام بسبب تكاليف الرعاية الصحية المتزايدة، وستفقد أرواح لا حصر لها بشكل مأساوي.
على الرغم من هذه الإحصاءات المرعبة، ما زال هناك بصيص من الأمل، اذ يمكن الوقاية من معظم الوفيات الناجمة عن الأمراض غير السارية، وتتوفر لدينا الأدوات والمعرفة لتغيير هذا الواقع المرير، وهذا يستلزم اتباع نهج متعدد الأوجه في سياق التوجه نحو التغطية الصحية الشاملة.
دعونا نعمل لمعالجة هذا الواقع، دعونا نسخر قدرات التكنولوجيا من أجل التمكين، ونستفيد من قوة وشعبية وتوافر وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لنشر المعلومات الصحية وتثقيف المجتمعات، ومواجهة التكتيكات الضارة التي تستخدمها صناعات التبغ والكحول والأغذية غير الصحية.
دعونا نتبنى الصحة الرقمية كحل مبتكر وفعال من حيث التكلفة يمكنه جمع البيانات لتوجيه السياسات المتعلقة بالتغطية الصحية الشاملة، ونوظف علم التنفيذ لاستكشاف طرق أكثر كفاءة للوقاية من الأمراض غير السارية، وعلاجها، وإدارتها ومكافحتها.
دعونا نتعاون سويا من أجل التغيير، لأنه فقط من خلال المشاركة متعددة القطاعات يمكننا وضع استراتيجيات مبتكرة تدعم التغطية الصحية الشاملة بما فيها نقل الثروة والموارد والمعرفة من البلدان ذات الدخل المرتفع لدعم البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسطة الدخل.
في الختام، إن أزمة الأمراض غير السارية تمثل قضية عالمية تتجاوز الحدود والأوضاع الاقتصادية، فقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات عاجلة لسد الفجوة نحو تحقيق العدالة الصحية، فالقدرة على تغيير هذا الوضع المخيف في متناول أيدينا، ومعا يمكننا تحقيق ذلك دون أن تحبطنا الأرقام، دعونا نستخدمها كصرخة حشد من أجل التغيير وإعطاء الأولوية لمكافحة الأمراض غير السارية على نطاق عالمي.
*المدير التنفيذي، الشبكة الشرق أوسطية للصحة المجتمعية ( أمفنت)

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

لماذا يتردد ترمب في شنّ هجوم على إيران؟!

د.جلال جراغي* بعد التحشيدات العسكرية الأمريكية غير المسبوقة في المنطقة، من إرسال حاملتي طائرات وبوارج …