الإثنين , فبراير 2 2026
الرئيسية / اراء / مآلات الحرب الروسية الأوكرانية..!

مآلات الحرب الروسية الأوكرانية..!

فريق ركن. حسين الحواتمة*
يقول مارتن لوثر كينغ أن اللاعدالة في أي مكان تهدد العدالة في كل مكان، وهذا ينطبق على الحرب كونها شكل من اشكال اللاعدالة ‘ وبما ان الحرب الروسية الأوكرانية اول حرب تقليديه (استقطابيه) تدور على أراضي أوروبية يجب دراستها و متابعتها بشكل تحليلي سياسي استراتيجي متزن، وبسبب التطور التكنولوجي الكبير الذي توصلت له البشرية في مجالات النقل، والسلاح، الاتصالات وغيرها من المجالات والتي لستُ بصدد حصرها، فأن تأثير الحروب الحديثة لم يعد يقتصر على مسارح العمليات في الدول المشاركة او دول الجوار الجغرافي بل يتعداه الى دول الجوار الاستراتيجي، وسأتطرق لمفهوم الجوار الاستراتيجي بشكل مقتضب، كونه توسع بشكل كبير ليشمل كل دول العالم بسب التطور الذي تحدثت عنه وجعل من العالم ما يشبه الولاية او المدينة الكبيرة، ويقصد بالجوار الاستراتيجي هو أن أي دوله لديها مقومات سياسيه، عسكريه، اقتصاديه، تكنولوجية وغيرها من مقومات قوة الدولة و التي تمكنها من التدخل عسكريا، سياسيا و اقتصاديا في أي دوله أخرى فأنها تعتبر جارة استراتيجيه لها، ويجب على الدولة المتأثرة بهذا الجوار ان تأخذ ذلك بعين الاعتبار في سياساتها و استراتيجياتها المختلفة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر فأن الولايات المتحدة و بسبب ما تمتلكه من مقومات القوة السياسية والعسكرية والصناعية وغيرها من مقومات القوة الكثيرة لديها، جعلت منها جارا استراتيجيا لكل من أفغانستان و العراق وخاضت حروب تقليديه ضدهما بغض النظر عن الأسباب والنتائج.
كما انه يجب توضيح مستويات الأهداف العسكرية و السياسية للحرب كمدخل لموضوع تداعيات هذه الحرب على العالم و الدول العربية، فعندما يتم اتخاذ قرار الحرب من قبل صناع القرار يتم وضع اهداف لها و عادة تكون الأهداف على ثلاث مستويات ( استراتيجية strategic، عملياتية operational، تعبوية tactical )، وهدف الحرب على المستوى الاستراتيجي ينفذ من خلال تبني استراتيجية عملياتية للقضاء على الخصم من خلال تدمير مقومات الدولة المعادية العسكرية، الصناعية، الصحية، التعليمية، السياسية وغيرها من المقومات باستخدام كل وسائل القوه المتاحة ودون أي محددات في بعض الأحيان، لكي لا يشكل الخصم أي تهديدا مستقبليا للدولة التي تشن مثل هذا المستوى من الحروب، وهي اكثر الحروب تأثيرا على الامن والسلم الدوليين، و بالنسبة لهدف الحرب على المستوى العملياتي قد يكون لتحرير أراضي محتله او تعديل للحدود او السيطرة على بعض الموارد الطبيعية المتنازع عليها وغيرها من الاسباب، بحيث تنفذ هذه الحرب من خلال تبني استراتيجية عمليات تترجم الى خطط عسكرية وسياسيه فيها الكثير من المحددات مثل مدة للحرب، تحديدات استخدام الأسلحة والخطوط التي لا يسمح بتجاوزها، ويكون للخطط السياسية المساندة لخطط العمليات دورا كبيرا في هذا المستوى من الحروب اما لكسب الدعم والتعاطف الدوليين او لا ضعاف سياسة الدولة المعادية، ويكون تأثيرها لا يتعدى دول الإقليم في أسوأ الأحوال.
اما الحرب على المستوى التكتيكي فيكون هدفها الرئيس احداث خسائر محدودة في البنية التحتية و الأرواح و الممتلكات من خلال عمليات خاطفه من قبل سلاح الجو، المدفعية ووحدات النخبة في القوات البريه، ويعتبر بعض من هذه الحروب نوعا من الحروب الوقائية او التخريبية، ويقتصر تأثيرها على الدول المتحاربة ولا يخلو الامر من بعض التداعيات السلبية على دول الجوار مثل تقييد حركة الطيران والنقل والتداعيات الاقتصادية والإنسانية بسبب احتمالية حدوث حركات لجوء وضرورة تواجد قوات اكثر من الوضع الاعتيادي على الحدود. وبالعودة الى الحرب الروسية الأوكرانية وتحليل مجرى العمليات العسكرية و السياسية و تأثيراتها على العالم و دول الشرق الأوسط خاصة، وبما ان هذه الحرب لازالت تراوح بين المستويين العملياتي والتكتيكي ولم تصل بعد الى المستوى الاستراتيجي، يجعل تأثيراتها المختلفة يقتصر على دول الصراع وبعض دول الجوار (متعمد أحيانا) كون الأسلحة التي تستخدم في مثل هذه المستويات من الحروب تكون دقيقه وضد اهداف منتخبه وقدرتها التدميرية تتناسب وحجم تلك الأهداف.
و بالنسبة للدول العربية و دول الشرق الاوسط يقتصر تأثير الحرب عليها في هذه المرحلة على الاثار الاقتصادية و السياسية كون اطراف الصراع والداعمين لأوكرانيا هم احد اهم المصادر التي تستورد منها الدول العربية والشرق أوسطية المنتجات الصناعية والغذائية وغيرها، وفي زمن الحرب يحدث شح في المواد الرئيسية و ترتفع أسعارها و الى هنا يبقى الوضع تحت السيطرة بحيث تستطيع الدول تدبر امرها و تعويض النقص في الواردات من دول أخرى، لكن ان استمرت هذه الحرب و مع غياب الأفق السياسي للحل و وجد أي طرف نفسه مضطرا للدفاع عن وجوده، فأن حدة العمليات وضراوتها ستزداد يوما تلو الاخر لتصبح حربا تدميريه من المستوى الأول لا تذر ولا تُبقي وستصبح غالبية دول العالم ومن ضمنها دول العالم العربي والشرق الأوسط بشكل عام وعلى عكس رغبات صناع القرار في هذه الدول في البقاء بعيدين عن هذا الصراع، ستجد نفسها تحت وطأة التأثيرات الكبيرة العسكرية او السياسية او الاقتصادية او جميعها وذلك للأسباب التالية و سأقوم بالتركيز على انعكاساتها على دول الشرق الأوسط:
واول هذه التأثيرات ان الحرب اذا تحولت الى المستوى الأول كحرب تقرير مصير فلن يكون هنالك أي ضوابط و محددات في استخدام الأسلحة وخصوصا الأسلحة النووية والكيماوية و البيولوجية علما بأن أسلحة الدمار الشامل تطورت بشكل كبير والسلاح البيولوجي في هذه الدول تضاعفت اخطاره ولم يعد يقتصر على الجمرة الخبيثة التي تستطيع الانتشار بشكل واسع بفضل تطور وسائل الالقاء وسرعتها، كما انه في حال مالت الكفة لصالح الروس لن يبقى العالم الغربي داعما لأوكرانيا فقط من خلال تقديم الأسلحة والخبرات والدعم الاستخباري، بل سيتحرك حلف الناتو بأكمله لدخول المعركة بشكل مباشر.
اما اذا مالت الكفة لصالح أوكرانيا والداعمين الغربيين فان الروس لن يترددوا باستخدام كل ما لديهم من قوة تدميريه، بالإضافة الى ان المحور الصيني الكوري الإيراني على الأقل لن يقف محايدا امام مشهد انهيار روسيا والتي تعتبر حاجز الصد الاول لهذه الدول ضد الخطر العسكري الغربي، ومن الممكن ان تتحول الى حرب عالميه ثالثه يصعب التنبؤ بنتائجها، و أيا كان الطرف المنتصر فأنه سيقوم برسم السياسة العالمية الجديدة و تغيير النظام العالمي برمته لمصلحته كاستحقاق مقابل التضحيات والخسائر التي قدمها وكما حصل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية و انتصار الحلفاء، والمطلوب من دول الشرق الأوسط والدول العربية التفكير في التعامل مع معطيات الحرب من هذا المستوى اثناء دوران رحاها من خلال وضع استراتيجيات سياسيه، عسكريه واقتصاديه للحد من تأثيراتها السلبية، وخصوصا ان بعض دول الصراع الحالي لها تواجد عسكري على أراضي دول عربيه مثل سوريا، و أيضا لبعض الدول المحتمل دخولها الحرب تواجد عسكري و ثقل سياسي بشكل مباشر وغير مباشر في اليمن ولبنان، اما في مرحلة ما بعد الحرب فيجب ان يكون للدول العربية و الشرق أوسطية تطلعات ومطالب للدخول في النظام العالمي الجديد و الذي كما اسلفت سيحدده الطرف المنتصر، وعلى ان تكون هذه التطلعات و المطالب تخدم المصالح العليا للدول العربية و الشرق اوسطيه منفرده و مجتمعه، لكي لا يتكرر سيناريو مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي لايزال الشرق الأوسط والعالم بشكل عام يعاني من اثارها، وفي النهاية أتمنى ان لا يحدث الأسوأ وان يتم التوصل لحل سياسي يوقف الحرب عند هذا الحد، و معالجة التشوهات في النظام العالمي الحالي ليصبح اكثر عدالة و يراعي مصالح جميع الشعوب بغض النظر عن وجودها في دول ناميه او متقدمة ليقود العالم الى مستقبل اكثر امنا و اشراقا، و يكون قادرا على معالجة التحديات و التهديدات التي تواجه العالم مثل الاحتباس الحراري، الفقر، الجهل، التطرف والإرهاب، حقوق المرأة والطفل وغيرها من التحديات والتي لا تخفى على صناع القرار في هذا العالم، وبالنسبة للحرب فكما لها مستويات استراتيجية و عملياتية و تكتيكية لها نتائج بهذه المستويات.
*محلل وأكاديمي عسكري اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

لماذا يتردد ترمب في شنّ هجوم على إيران؟!

د.جلال جراغي* بعد التحشيدات العسكرية الأمريكية غير المسبوقة في المنطقة، من إرسال حاملتي طائرات وبوارج …