الإثنين , فبراير 2 2026
الرئيسية / اراء / أين حاملة الطائرات العربية؟!

أين حاملة الطائرات العربية؟!

د. رجب السقيري*
ليس في نيتي أن أكتب مقالاً ساخراً كما قد يشير عنوان هذا المقال ، فحاشى لله أن أسخر من أمتنا العربية . ورغم أن العرب ، كل العرب ، رجالاً ونساءً وأطفالاً بلا استثناء ، يعلمون أن أياً من الدول العربية لا تملك حاملة طائرات وأن الجامعة العربية و “مجلس الدفاع العربي المشترك” التابع لها ، إن كان ما زال قائماً ، فهو في سباتٍ عميق ، حتى لو أفاق من نومه فليس لديه جيش ولا قوات جوية أو بحرية ولا حتى فرقاطة أو طائرة شراعية أو قارب صغير . بل إني لا أنوي في هذا المقال أن أعاتب دولنا العربية على دورها المحدود في الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام ودورها الضعيف في التعامل مع تداعيات عملية طوفان الأقصى التي قامت بها كتائب عزالدين القسام وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى وحققت نصراً مؤزراً كان من شأنه رفع معنويات الشعب الفلسطيني والشعوب العربية جمعاء وهزمت الجيش الإسرائيلي الذي كان ، قبل طوفان الأقصى يدعي بأنه جيشٌ لايقهر ، ومرغت أنف الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً ومسحت بها الأرض ، وذلك بعد أن فاض الكيل بالمقاومة وبلغ السيل الزبى وبلغت القلوب الحناجر إثر الاجتياحات المتكررة لقطعان المستوطنين للمسجد الأقصى واستمرار حكومة نتنياهو ليس بتجاهل حقوق الفلسطينيين فحسب بل بإنكار وجودهم أصلاً استناداً إلى خريطة نتنياهو التي عرضها خلال الشهر الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة .
الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل والردع العربي المفقود
ليس لدى الدول العربية حاملة طائرات بمستوى الحاملة الأمريكية جيرالد فورد التي تحمل 90 طائرة مقاتلة وعلى ظهرها ثلاثة مفاعلات نووية والمتجهة حالياً إلى سواحل فلسطين المحتلة دعماً لعدوان إسرائيل على المدنيين في غزة ، أو بمستوى الحاملة دوايت آيزنهاور التي تتأهب للتحرك باتجاه الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ، أو حتى بمستوى الحاملة المتقاعدة إنتربيد التي خرجت من الخدمة منذ عام 1947 والمستخدمة منذ عقود لأغراض سياحية حيث تربض حالياً على ضفاف نهر هيدسون في مدينة نيويورك .
أما المقارنة بين القدرات العسكرية الإسرائيلية ونظيرتها العربية فحدث ولا حرج ، فقد وصلت دولنا العربية منذ زمنٍ طويل إلى قناعة راسخة بعدم إمكانية الدخول في سباق تسلح مع الدولة العبرية بحجة أن أمريكا تدعم إسرائيل بشكل غير محدود بينما لا تستطيع الدول العربية ، ومعظمها حلفاء لواشنطن ، الحصول على أسلحة من الأخيرة بنفس مستوى الأسلحة التي تتلقاها إسرائيل ، بل إن بعض دولنا قد توقفت نهائياً عن اعتبار إسرائيل عدواً لها وهي تتسلح فقط بالقدر الكافي لحماية أنظمتها وحدودها إما من إيران أو من شقيقاتها الدول العربية المجاورة ، الأمر الذي أدى إلى اعتراف ضمني أحياناً وعلني في أحيان أخرى بتفوق إسرائيل عسكرياً على الدول العربية مجتمعة .
لكن بعد عملية طوفان الأقصى أصبحت حجة الدول العربية بهذا الشأن واهية لأن البديل عن سباق التسلح هو اتباع استراتيجية ردع مدروسة بعناية لوقف ممارسات إسرائيل العدوانية ضد الشعب الفلسطيني الأمر الذي يهدد الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بشكلٍ عام . فإذا كانت المقاومة الفلس‏طينية بإمكانياتها المحدودة قد تمكنت من إلحاق هزيمةٍ نكراء بالجيش الإسرائيلي المجهز بأحدث الأسلحة الأمريكية والذي تدعي إسرائيل أنه من أقوى جيوش العالم. وإذا كانت المقاومة اللبناانية ، أيضاً بإمكانياتها المحدودة (باستثناء ترسانة الصواريخ التي تمتلكها) قد تمكنت من ردع العدو الإسرائيلي عن مهاجمة لبنان لمدة 17 سنة ، فإن الجيوش العربية تستطيع تحقيق ذات الهدف . عملية طوفان الأقصى أثبتت أن العنصر الأهم في تحقيق النصر وفي استراتيجية الردع هو إرادة القتال والقدرات الشخصية للمقاتل كالشجاعة والتدريب وما إلى ذلك ، وهي التي تلغي أو تقلل من شأن أهمية التفوق في التسلح. فقد تمكن ثوار الفيتكونغ من هزيمة أمريكا وإذلالها كما تمكنت طالبان من إنهاء الوجود الأمريكي في أفغانستان وقبله إنهاء الوجود السوفيتي بأسلحتهم الفردية وصواريخهم التي تحمل على الكتف.
بيان الجامعة العربية وأضعف الإيمان
والحال هذه فإن فشل الدول العربية في نصف القرن الماضي في القتال مع إسرائيل استناداً إلى ملهاة عملية السلام وضعف التسلح العربي مقارنةً بتسلح إسرائيل ، إضافة إلى عدم وجود استراتيجية ردع عربية معقولة تمنع دولة الاحتلال من الاستمرار في ممارساتها العدوانية ، إلا ما رحم ربي ، يجعل الشعوب العربية في انتظار أضعف الإيمان من حكوماتهم ومن جامعتهم العربية والمتمثل في الجهود السياسية والدبلوماسية لنصرة المقاومة أو على الأقل لدحض وتفنيد أكاذيب نتنياهو وحكومته المتطرفة العنصرية .
البيان الصادر عن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية يوم أمس الأربعاء على مستوى وزراء الخارجية جاء باهتاً ومخيباً للآمال مما يدل ، ضمن أمورٍ أخرى ، على ضعف النظام الرسمي العربي وافتقاره لوحدة الصف ووحدة الكلمة.
إن أحداثاً بهذه الضخامة وبهذه الخطورة تتطلب حملة دبلوماسية نشطة وأخرى إعلامية . كان على مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية أن يشكل وفداً يتوجه إلى نيويورك للقاء الأمين العام للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن وطلب عقد جلسة للمجلس لبحث الغارات الإسرائيلية المكثفة والتي سوت بعض أحياء غزة بالأرض وهدمت البيوت والأبراج السكنية على رؤوس ساكنيها بما فيهم النساء والأطفال والشيوخ وكذلك بحث الحصار الشامل الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة وقطع الكهرباء والماء ورفض تأمين ممرات آمنة للإمدادات الإنسانية من الغذاء والدواء وكان على الوفد أن يتوجه إلى واشنطن لإيضاح الحقائق ودحض الأكاذيب الصادرة عن نتنياهو ووزير دفاعه غالانت الذي صرح أمام وسائل الإعلام أن أهل غزة عبارة عن حيوانات في هيئة بشر .
كذلك فإن مهمة هذا الوفد تقتضي العمل على وقف التهجير الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي في غزة عن طريق تدمير البيوت ، والعمل كذلك على عدم المساواة بين المدنيين الفلسطينيين العزل والمستوطنين المسلحين .
تزامناً مع توجه هذا الوفد إلى نيويورك وواشنطن كان على الجامعة العربية أن تشكل وفداً وزارياً عربياً يتوجه إلى أوروبا للقاء المجلس الأوروبي ولقاء ممثلة السياسة الخارجية للاتحاد في بروكسل ثم التوجه إلى جنيف للقاء المفوض السامي لحقوق الإنسان ورئيس مجلس حقوق الإنسان والتحدث مع ممثلي دول الاتحاد الأوروبي في المجلس لتوضيح الحقائق وبيان الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاقية جنيف .
كذلك كان على مجلس الجامعة العربية إصدار توجيهاته إلى مندوبي الدول العربية الدائمين لدى الأمم المتحدة لطلب عقد اجتماعات لمجموعة عدم الانحياز ومجموعة ال 77 لإطلاع أعضاء المجموعتين على الأحداث الجارية في المنطقة .
لو قامت الجامعة بذلك لما تمكن نتنياهو من التبجح بأن كل دول العالم داعمة لإسرائيل ولخلت بيانات دول الاتحاد الأوروبي من الدعم المطلق لدولة الاحتلال ولأكدت المجموعات التي يتم إيضاح الأمور لها أن الأسباب الجذرية للنزاع تكمن في الاحتلال وفي رفض إسرائيل منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة .
*سفير عراقي سابق وباحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الشهداء الأحياء!

د. نسيب حطيط* لا يمكن إدراك حجم معاناة أهل الجنوب والمجازر المروّعة من الترهيب والخوف …