الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / الاستيقاظ من المصفوفة!

الاستيقاظ من المصفوفة!

 

خالد شــحام*
ومع يوم غد يكتمل البدر بين يديك مثل أول مرة ، مائة يوم أيها المارد المتمدد سعة البصر، مائة يوم وساقاك تقفان كالطود العظيم في نور الشمس وأنت تقاتل، مائة يوم وقامتك المنصوبة وأنت ترمي النار بالنار، مائة يوم وأنت تحملنا جميعا ونشدك نحو الوراء لكنك أبيت إلا التقدم، مائة يوم علمتنا فيها كيف ينتصب العَلَم وكيف يُزهر الألم وكيف يكون الوطن ، مائة يوم مضت من أعمارنا لأجلك يا نبي الحرية ولأجل وجهك الملثم بمرج الزهور والحب الذي يبقى بين النجوم وصدف البحر .
تبدأ الكلمات بلا كلمات من عالم السينما والوهم العظيم لأن الوهم كما يبدو تترجم الى واقع في هذا الزمان، في العام 1999 تم إنتاج الفيلم المشهور الغني عن التعريف ( The matrix ) ، المصفوفة ، وهو فيلم جامح الخيال وعبقري الفكرة، فيلم مكتوب من عقل خارج الوعي يمزج جرعات من فانيلا الفلسفة مع تساؤلات كوانتمية متغلغلة في أنابيب الزمان والمكان دون الوصول إلى شيء سوى التساؤلات والاحتمالات ، رغما عما فيه من بعض الايماءات المدسوسة .
في فكرة الفيلم تنشأ معركة طاحنة بين الذكاء الصناعي والبشرية مما يدفع بالبشر إلى حرق السماء وإعتام الشمس ضمانا للحيلولة دون وصول الشعاع الشمسي إلى الالات وحرمانها من طاقة الألواح الشمسية ، كرد فعل على هذا الإجراء تقرر الالات الذكية البحث عن مصدر بديل للطاقة فتوصلت إلى أن استخدام البشر الأحياء كخلايا للطاقة هو الحل المثالي ، فبدأت الالات بجمع البشر في مزارع يتم فيها استيلاد وتنويم البشر في حاضنات خاصة ، مزارع شاسعة في زمان معتم تقوم على حصاد الطاقة من الأجساد البشرية الحية المسجونة داخل النوم، في المرحلة الأولى من هذه التجربة كان البشر يهلكون بسرعة ويضمرون وتذوي أجسادهم فأدركت الالات بأن هنالك خلل ما غير صحيح ولا بد من علاجه ، أدركت لاحقا بأن الطبيعة البشرية ترفض بفطرتها ووعيها الباطني فكرة السجن، فقررت الالات سجن الوعي البشري أيضا من خلال حقن الدماغ ببرمجية اسمها المصفوفة توحي للعقل والوعي البشري بأنه يعيش حياة طبيعية حقيقية يأكل فيها ويشرب ويعمل وينام وكل ما من شأنه الاحساس بالحياة، تتجلى ذروة الصراع بأن بعض البشر يتمكنون من الصحو من هذه الحاضنات ويشكلون حلف مقاومة للقضاء على الالات ، في ذروة القنبلة الفلسفية التي حملها الفيلم تجتمع العظمة البشرية مع عظمة التاريخ وعظمة الإرداة لإنجاز اللحظة الفاصلة بين الحياة أو الموت أو بتعبير آخر بين البقاء داخل المصفوفة أو الاستيقاظ والخروج منها للعودة إلى الحياة الصحيحة ذات المعايير الصحيحة وفهم حقيقة ما يحدث، إن لحظة الاستيقاظ هي اللحظة الحاسمة وهي البداية الصحيحة لكل شيء في كل هذه القصة ليكتشف فيها الإنسان بأن هنالك عالمان ، أحدهما حقيقي وبائس للغاية ومدمر ، والآخر هو عالم من الوهم فيه كل شيء من معالم الحياة التقليدية ومتاعها ورفاهها ولكنه سجين محبوس الإرادة .
لقد سقت إليكم هذه المقدمة لأنها باختصار شديد تلخص كل حياتنا ومعاشنا في هذا العصر الذي تحكمه آلات كما في الفيلم ولكن آلات بشرية فقدت معاني الإنسانية وانفصمت عن عرى الفطرة والكينونة البشرية وتستعبد هذا العالم تماما كما في فكرة فيلم المصفوفة، لم أتمكن من عمل جردة الحساب التقليدية لمعركة المائة يوم البطولية في غزة لأن هنالك ما هو أبعد وأهم من الحسابات الشكلية والعسكرية ، حيث أن الدرس الأهم هو درس الخروج من المصفوفة الذي تسببت به غزة.
عالمنا المعاصر يعيش أيضا تحت رحمة مصفوفة خاصة مرعبة اسمها الرأسمالية الشيطانية ، وهذه لا تعمل بالذكاء الصناعي كما في الفيلم بل تعمل أيضا بالذكاء البشري الشيطاني المعزز بأقوى التقنيات والحواسيب والأسلحة والأنظمة الدولية والنقدية والاقتصادية ، إنها عالم كامل متكامل لا يمكن تخيل مستوى تغلغله داخل حياتنا وتفاصيل أيامنا، إن حجم وتنوع الوهم والزيف الذي تزرعه قوة الرأسمالية في الوعي العالمي أكبر مما يمكن ايجازه في بضع سطور ، هذا النظام هو الذي يهيمن على عالم اليوم وهو من يضع القواعد ويزيل دولا أو يصنع أخرى وهو من ينتج برمجيات الالحاد والمثلية والانحلال والابراهيمية ومستعد لبعث رسل وأديان جديدة وصناعة البريكس والسبع الكبار وكل أشكال التحالفات التي نعرفها ولا نعرفها ، إنه هو من يقاتل في غزة ويعربد في البحر الأحمر ويهدد ايران ويخضع الصين وروسيا ويشل قدراتها في محاولات الصعود حيال الحلف الأمريكي.
كان لا بد من مرور هذه المدة الكافية ودفع هذا الثمن الهائل والتضحيات العظيمة لكي يمكن تأكيد الصحوة وبأنها ليست صحوة عابرة أو صحوة ما قبل الموت ، لقد تمكنت المقاومة الفلسطينية من إحداث أكبر عملية اضطراب واستيقاظ داخل المصفوفة الرأسمالية وصنعت زلزالا شاملا امتد عبر العالم كله وعبر مزارع الطاقة البشرية المنومة والمخدرة والتي تظن بأنها تستمتع وتعيش وتأكل ولكنها لا تعلم بأنها خلايا وقود في النظام الرأسمالي المتوحش، واقتصادا في التوضيح اسمحوا لي بحصر الكلام في النقاط الآتية:
1-من أولى الحقائق التي عرتها تفاعلات عملية طوفان الأقصى هي أنها كشفت للمستيقظين في كل العالم بأنه يوجد عالمان أو حقيقتان منفصلتان ، نظام عالمي تقابله شعوب مستعبدة وكلاهما يتحرك في خطين متضادين من النزاهة والانسانية والطموحات المستقبلية ، نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة وتتبعها مستعمراتها المنتشرة في القارات السبع وهذا النظام يريد فرض تصوره ورؤيته وقوانينه على كل هذا العالم وتتبعه في ذلك الحكومات الموالية ضد شعوب إما غائبة أو مغيبة أو مخدرة لم تكن تعرف بأن هذا النظام متوحش الى هذا الحد .
2-قد يكون صحيحا أنه توجد في عالمنا المعاصر دولة عظمى أو قوة عظمى، سموها كما تشاؤون ولكن ذلك لا يعني بالضرورة بأن هذا شيء ايجابي أو يبعث على الاطمئنان أو حتى نقيضه ، فعندما تكون العظمة مجرد أرقام في الاقتصاد والتسليح والصناعة والجامعات والمراكز البحثية السياسية والعلمية والتجارية ولكنها لا تقود إلى مخرجات أخلاقية فلا قيمة لها ، لقد تهاوت كل معاني هذه العظمة وقيمها المادية العالية لأنه تبين بأن هذه المدلولات الرقمية الكبيرة قادت إلى مخرجات حضارية دنيئة وسافلة ومنحطة وقابلة للذوبان بسهولة بسبب افتقادها لأية مرجعية أو منظومة أخلاقية أو قيمية ، لقد تسببت الولايات المتحدة عبر دورة زمنية من وجودها في خلق أزمات وكوارث وجرائم ضد البشرية في سلسلة طويلة من أعمال القتل والسرقات والاستعمار والاحتيال على التاريخ وإبقاء البشرية في حالة رهن لمبادئها وأطماعها وكل من يحاول الخروج من مصفوفتها يواجه مصير التدمير والإبادة كما كان مخططا لروسيا ثم لغزة .
3-أصبح من الواضح أن التركيبة الكيميائية لوصفة الصهينة لا تتطلب جنسا أو جنسية أو عرقا أو لغة أو دينا ، العقيدة الصهيونية تجمعها مؤشرات التضامن والتحالف على نفس المبادىء ونفس الغايات سواءا كان الملتحق عربيا أو غربيا ،الصهينة جزء لا يتجزأ من حقائق تغييب العالم وإبقاء شعوبه مخدرة ومساقة مثل البهائم ، إنها الفقرة الخفية التي نشعر بحضورها وأفعالها دون أن نراها ، أدوات هذه السيطرة متنوعة ومتعددة وتتخذ مسميات إنسانية وحقوقية وصحية وأممية واقتصادية ، محكمة العدل الدولية ليست شيئا خارجا عن ذلك ولا مجلس الأمن ولا منظمة الصحة العالمية ولاغيرها ، إن سلوك الكثير من الحكومات العربية ليس فقط مع غزة بل مع مواطنيها ومنذ سنوات طويلة هو إبقاء هذه الشعوب داخل المصفوفة في حالة سبات أزلي وعندما حدث الربيع العربي تم وأده بسرعة بأقسى العقوبات وأنزلت برمجيات التضييع والتخريب داخل الشعوب كي تبقى أسيرة الوهم والشتات وتعيش لأجل اللاشيء تحت رحمة العقيدة الصهيونية.
4-إن الصحوة من ماتريكس النظام العالمي له ثمن فادح ، هذا الثمن شاهدتموه في غزة وهو الثمن الذي سيدفعه اليمن عندما يقف على موقفه ويبقى عليه وهو الثمن الذي ستدفعه الصين وروسيا عندما تحاول الصحو والاستيقاظ والتحرر من المصفوفة الأمريكية ، إن الدور قادم على الجميع بلا رحمة ولا استثناء ما لم تستيقظ الشعوب والأنظمة العالمية وتتخذ موقفا مضادا .
5-إن مظاهر صحوة الشعوب العالمية التي أحدثتها غزة بدأت من خلال الرفض لاستقبال وابتلاع سموم المصفوفة ، فكرة المقاطعة للطعام والشراب الموالي للنظام العالمي وللإعلام المتصهين الناطق باسم المصفوفة وبأي لغة كانت هو جزء من مرحلة الوعي والصحو ، إن المقاطعة الحقيقية التي تدل على صحوة حقيقية تتمثل في مقاطعة الدولار والإطاحة به في الأنظمة المالية وإسقاط روح الثقافة الغربية التي تغلغلت في كل أنماط الحياة وافترست ثقافات الشعوب.
6-إن هذا العالم لا يدرك بأنه يواجه سنوات العسرة حتى اللحظة ، سنوات طاحنة ساحقة ماحقة لا رحمة فيها ، معركة غزة وانتصار المقاومة فيها وإعلان هذا النصر قريبا ليس هو نهاية المطاف بل هو فاتحة لتوحش وارتقاء شراسة المصفوفة في العالم ومحاولة تأكيد نفسها والثبات على مكتسباتها وصولا إلى معركة النهاية لمواجهة شاملة وسقوط امبراطورية الشر الكبير وحلفائها.
5-إن الدرس المتين ذا القيمة الأعلى في كل مجريات الأحداث خلال المائة يوم يتمثل في فهم حقيقة لا مهرب منها مهما حاولنا التنصل من مواجهتها ، وهي أن مواجهة المصفوفة تتطلب عقيدة قتالية مستندة الى عقيدة حياتية سماوية ربانية ، هذا الدرس هو الجذر الأساسي الذي مكن غزة من الصمود ومكنها من إلهام حالة الصحو الاستيقاظ من مخدر المصفوفة ، إن هؤلاء المؤمنين الثابتين على العهدة القرآنية هم فاتحة الخراب للمصفوفة الامريكية والنظام العالمي الذي يبذل المستحيل لمحو الاديان واذابة العقائد ، هذه العقيدة المتغلغلة في سلوك وذهن ابن غزة هي التي مكنته من الوقوف ، لو كان هنالك أي حياد عقائدي لوجدنا انهيارا أو انتحارا مع الخسائر النفسية الهائلة .
إن بشائر الانتصار والصعود قادمة لا محالة ، غزة سوف تنتصر وتكتب تاريخا جديدا للبشرية والصحو من المصفوفة الأمريكية التي تتبنى العقيدة الصهيونية كنهج للبقاء والحياة .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

إرهاب منظومة القضاء… وحروب إسقاط الدول!

المهندس. حسام محرم* في فلسفة حروب العصر الحديث، يبرز إرهاب منظومة القضاء، أو اختراقها، وإفسادها، …