الثلاثاء , مارس 17 2026
الرئيسية / اراء / زيلينسكي.. بين السوط والمنجل!

زيلينسكي.. بين السوط والمنجل!

علي الزعتري*
قد تجدَ زيلينسكي ثقيل دمٍ تلاحقهُ أوصافٌ قبيحةٌ من تاريخهِ التهريجي وقد تجدَ في سياساتهِ ما يجعلك تصنفهُ أُلعوبةً للغرب ضد روسيا فتبغضهُ أكثر، هذا إن كنتَ روسيَّ الهوى، أو تراهُ أوكرانياً وطنياً صار رئيساً من واجبه أن يدافع عن بلده بكل ما يملك من مكرٍ وقوة. كما قد تجدَ پوتين قيصراً غازياً لأوكرانيا في سياساتهِ انتهازيةً فيها الحجج التي يراها دون غيرها لتبرير غزوهِ أوكرانيا في حربٍ طاحنةٍ، أو تراهُ رمزاً واعياً أنهَضَ بلاده بعد كبوات البريسترويكا يحظى بالاحترام والمصداقية ولأنه كذلك يقارع الغرب. وقد تنحاز فطرياً لروسيا لأنك ترى الغرب ظالماً مُستعمراً وداعماً للصهيونية أما روسيا فكانت داعمةً تاريخياً للدول المطحونة وتنسى صداقة بوتين مع النتن أو تتناساها حين كانت ولا تزال “إسرائيل” تقصف في سوريا. وقد ترى ترمپ بهلوان سياسة و صانع ألاعيبَ تطيح باليمين واليسار في السياسة التقليدية تفاجئ من حوله من مستشاريه والأبعد عنهم و تجعلهم في حيرةٍ كيف يتعاملون معه. لكنك وأنا لا بُدَّ نشعر بالسخرية المُرَّة من السياسة الواقعية التي تُمارس الآن من دون غلالة الدبلوماسية، فجةً قاسيةً لا مكان فيها لحفظ ماء الوجه. والأسى والأسف حين نرى صفحةً جديدةً تُكتبُ في تاريخ الاستعمار المتجدد. حتى لو كانت أوكرانيا في نظر الكثير مذنبةً عندما تطاولت على روسيا وعند كثيرٍ غيرهم ضحيةً من ضحايا روسيا والغرب الذي استدرجها لتقاتل نيابةً عنه فقد ترى كم هو ظالمٌ الحل العادل لحرب أوكرانيا فيما طرحه ترمپ لروسيا في لقاءٍ لم تحضره أوكرانيا.
تجيير الثروة المعدنية الأوكرانية لأمريكا وفقدان أجزاء من الجغرافيا الأوكرانية لروسيا و كَنْسَ زيلينسكي من المستقبل الأوكراني هي وصفةَ الاستعمار الجديد المتدثر بالحل العادل لإنهاء الحرب، وأين؟ في قلب أوروبا. أن يقول وزيرَ ترمب لزيلينسكي أن معه، مجازاً، مُهلةَ ساعةً ليوافق على هذا العرض ثم يردف ترمب بوصف زيلينسكي أنه كوميديانٌ وديكتاتورٌ لهو قمة الاستخفاف السياسي، ولروسيا هي قمة الاستعجاب المندهش وربما غير المصدق من تغير الموقف الأمريكي 180 درجةً الذي صار يرفض وصف الروس بالغزاة لأوكرانيا فيما كان بايدن قُبيلَ أسابيع هو والناتو يوفران لأوكرانيا ما تتطلبه للقتال ويكيلُ لبوتين أقذع الأوصاف. لكنه عالمٌ عجيبٌ أن يُنتخبَ ترمب رئيساً وهو مطلوبٌ قضائياً و أن يُحدِثَ هذا الانقلاب السياسي والمجتمعي في أمريكا والعالم و يُبدي دون تردد طمعاً باحتواء كندا ولايةً جديدةً و شراء غرينلاند وغزة وقناة بنما ويستعدي المكسيك في خليجها.
قد تكون كندا وغرينلاند وغزة وبنما بعيدةً هذه اللحظة عن تحقيق طمع ترمب فيهم لأسبابٍ مختلفةٍ لكنه صادقٌ فيما يتعلق بأوكرانيا و سيأتي للباقي مما ذكرت في وقتهِ. هو في أوكرانيا يطرح وصفةَ التاجر الداهية مع تاجرٍ مثيله لهدفين أولهما السيطرة على معادن نادرة ستأتي له باستثماراتٍ تعوض خسارة أمريكا كما يصفها في أوكرانيا، وهي بحسب ما قال ٣٥٠ مليار دولار منحتها أمريكا لأوكرانيا من دون ضمانةٍ لإعادتها. والثاني الخروج من دائرة العداء مع روسيا وإعادة التبادل التجاري معها، وفي المقابل سيطرة روسيا على أجزاء من أوكرانيا مما يُرضي روسيا مع بقاء أوكرانيا خارج الناتو والسلاح النووي. أما زيلينسكي فسيخرج من المعادلة زعيماً فاشلاً بنظرهم و بطلاً لآخرين ويحل مكانه زعيمٌ مُتوافقٌ عليه بين واشنطن وموسكو يقف بين العملاقين ويلعق جروح بلاده. في هذه الصفقة تقف أوروبا المذهولة، فلا هي حجر عثرة تستطيع منع الصفقة عسكرياً ولا هي مستفيدةً من الصفقة إلا إن كانت طرفاً فيها. المشكلة هنا أن ترمپ لا يثق بأوروبا و لا پوتين كذلك لكن الأَخير يفضلُ أوروبا موافقةً لا أوروبا مغصوبةً فهم يقتسمون قارةً واحدةً وللجيرةِ اعتبارات وترمپ لا يهمه من القارة العجوز إلا ما يزيد ثروات بلده. عموماً، حلاًّ مثل هذا إن اكتملَ كما يريد الروس و الأمريكان سيوقف الحرب وسيقيم توازناً فيه أوروبا منكسرةً أمام قوة روسيا و جبروت أمريكا. لكنه حَلٌّ مُذِّلٌ للأوكرانيين الذين عانوا من الحرب و فقدوا من بلادهم و رهنوا ثرواتهم في المستقبل المنظور. وبطبيعة الحال لن يعتبروا الروس إلا عدواً و الأمريكان محتالين لا يمكن الوثوق بهم. ربما سينتظرون عودة ديمقراطي ليحكم أمريكا ويعيد عقارب الساعة وشيئاً من كرامتهم وشفاء غليلهم من الروس لكنهُ أملٌ بعيدُ المنال في الوقت الذي يستعد فيه ترمپ لفرض ولايته الرئاسية الثالثة. التاريخ لا ينسى والشعوب تتذكر و الأيام دول وهذا اليوم ليس أوكرانياً كما يبدو و الله وحده يعلم ما ستأتي به الأيام القادمة.
أما تفسير هذه العملية فلا يخرج عن سياسات الدول العظمى منذ الامتداد الأوروبي الاستعماري في إعادة تقسيم العالم بين الأقوياء جداً، وأن السياسة تنحني للمال والموارد الطبيعية المتحولة لمالٍ بل أن السياسة ما كانت إلا لخلق الثروات والسلطان. وكما تحول الشرق الأوسط لمنجمٍ من النفط والغاز لصالح الغرب لعقود (لشركاتٍ سبعٍ بالتحديد تحظى بحماية الحكومات) تتحول أوكرانيا لمنجمٍ أمريكي ولا تمانع روسيا. هو رئيسٌ صفيقٌ ووقحٌ ترمپ لا نختلف لكنه لن يصرف من مال دافع الضرائب الأمريكي ليرضي أحداً أو ليدافع عن أحدٍ صدقةً وطيب نفس فمن يرد الحماية الأمريكية، أو صداقته، عليه أن يدفع له وقد سمعناه يقول هذا لدولنا العربية. تاجرٌ يقود دولة هدفه إثراء بلاده و تعظيم شخصه. والحقيقة أنه ليس التاجر الوحيد الذي يقود دولة لكنه وپوتين تجارٌ يبيعون منتجاتٍ من صنع أيديهم و يعرضون خدماتهم بمقابلٍ، ويستطيعون لي الأيدي والرقاب، وبينهما حسابٌ جارٍ في الأخذ والعطاء. على الأقل، زيلينسكي الكوميديان يحارب دفاعاً عن بلاده و قد أدمى الرأس الروسي مراتٍ عديدة، وإن خسر فلأنَّ الكثرة تغلب الشجاعة. و الدور كما يقولون علينا! فهل سنُباعَ و نُشترى؟
*كاتب أردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

استفادة السعودية من أزمة الامارات.. ونضج صنعاء!

  منى صفوان* هذه حرب متداخله المصالح والخسائر، هناك من يجني أرباحاً سياسية، وهناك من …